• الصلاة القادمة

    الفجر 04:23

 
news Image
منذ ثانية واحدة

اعتاد البعض أن ييتخذ من النقائص منهجا عاما ويلصقها بالإسلام وفقهائه، ويجيد الاصطياد في الماء العكر، ومثله في ذلك مثل مفتشى القمامة لا تقع أعينهم إلا على القاذورات؛ فلا تقع عينه في تراثنا الفقهى إلا على بعض الآراء التى يمكن أن تكون زلة لمن قال بها من الفقهاء، أو فهم خاص به، ويتخذ من ذلك دليلا دامغا على أن الفقهاء كانوا يكدرون السلم الأهلى، ويعمقون الطائفية، ويهدمون في جدار المجتمع.

قال بعض الموتورين: إن بعض الفقهاء لا يجيزون القصاص من المسلم إذا قتل ذميا، ويراد بالذمي غير المسلم الذى يقيم إقامة دائمة في دار الإسلام بمقتضى عقد الذمة، أو الذي يتجنس بجنسية دولة إسلامية، وهو بلغة العصر الحاضر المواطن.

وهذا وإن قال به بعض الفقهاء قديما بناء على فهمه لبعض النصوص، فهو فهم له في تفسير النص لا يلزمنا اليوم في شيء، ولكن هذا البعض الموتور يتجاهل عمدا رأى كثير من الفقهاء أيضا الذين أوجبوا القصاص بين المسلم والذمى في القتل العمد، في وضع كان العالم فيه أشبه بتكتلات منعزلة، ولا يلزم أى تكتل ميثاق أو قانون عام.

وإن أبلغ رد على من يدعى أن فقهاء المسلمين لا يقيمون لدم الذمى وزنا، هو حكم أبى يوسف قاضى القضاة في الدولة العباسية، على مسلم بالقتل لأنه قتل ذميا عمدا من أعلى منصة قضائية.

وهذا يعد من مفاخر الأحناف لأن هذا الرأى صدر عنهم وطبقوه في وقت كانت للمسلمين اليد الطولى في العالم، وسلطانهم ممتد عبر القارات، وقوتهم كانت كفيلة بأن تقتص للمسلم من غير المسلم في أى بقعة من العالم، حتى لا يقال إن هذا رأى يوافق حالة الضعف التى يحياها المسلمون اليوم.

والرأى الذى يقول بعدم القصاص بين المسلم والذمى يتبناه الأئمة مالك والشافعى وأحمد، والرأى الآخر الذى يقول بوجوب القصاص بينهما يتبناه الأحناف وابن أبى ليلى والنخعى والشعبى وعثمان البتى.

وقد ذهب إلى القول برأى الأحناف عدد كبير من المعاصرين ورأوا أن المسلم يُقاد منه بالذمى، منهم الشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ محمود شلتوت، والأستاذ عبد القادر عودة، والشيخ محمد الغزالى، والدكتور محمد سليم العوا، والدكتور القرضاوى والمستشار على منصور في كتابه " نظام التجريم والعقاب في الإسلام"، حتى لا يكاد يوجد اليوم من الفقهاء من يقول بغير ذلك.

وقد ذكر الشيخ الغزالى أنه قد بلغه أن بدويا قتل مهندسا أمريكيا في إحدى دول الخليج وقال أهل الحديث لا يجوز القصاص، وشعرت الحكومة بالحرج ولكن تم الخروج من المأزق بقتل المجرم من باب السياسة الشرعية.

وعمدة أدلة المانعين من القصاص حديث البخارى: ((لا يقتل مسلم بكافر))، فعمموا الحكم على أى كافر.

أما الأحناف ومن وافقهم فقد حملوا النص على الكافر الحربى فقط، ورأوا أن آيات القرآن الكريم في نحو قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} وقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} وقوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} رأوا أن هذه الآيات جاءت عامة، من غير فصل بين قتيل وقتيل، ونفس ونفس، ومظلوم ومظلوم، فمن ادعى التخصيص والتقييد فعليه بالدليل.

وقد قرر الفقهاء جميعا أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمى، وهذا يدل على أن مال الذمى قد ساوى مال المسلم؛ فدل على مساواته لدمه، إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه، وحرمة دمه أعظم من حرمة ماله.

كما أن دماء أهل الذمة معصومة، لأن العصمة تكون بإيمان –أى إسلام- أو أمان؛ أى عهد وعقد، وقد قال سيدنا على رضى الله عنه: من كان له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا.

وأذكر الذى يدعى التحضر والإنسانية ويعيب على فقهاء المسلمين في أمر غير ملزم للدولة المسلمة بما كانت عليه نظرة أعلى سلطة دينية لدى النصارى إلى المسلمين، ألم تكن هى أن المسلمين هم "الجنس الخبيث" كما صرح بها بابا روما أوربان الثانى في مؤتمر كلير مونت بفرنسا المنعقد في 27 نوفمبر 1095م في نهاية القرن الخامس الهجرى، مع بداية الحروب الصليبية؟ قال: انتزعوا هذه الأراضي -فلسطين- من ذلك "الجنس الخبيث"، وخلصوا البلاد المقدسة من أيدي الكفار المسلمين، اذهبوا واغسلوا أيديكم بدماء أولئك المسلمين الكفار).

ثم ألسنا نحن الأمة الملعونة كما جاء في نشيد الجندى الإيطالى حينما يذهب إلى ليبيا لاحتلالها يقول: أماه، أتمي صلاتك، لا تبك، بل اضحكِ وتأملي، أنا ذاهب إلى طرابلس، فرحًا مسرورًا، سأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة، سأقاتل بكل قوتي لمحو القرآن.

هذا هو منطق الاستعلاء حين تكون لغير المسلمين الغلبة، وهو منطق تنهار معه القيم والأخلاق، فلا يعرف للغير حرمة ولا فضلا ولا وزنا ولا إنسانية.

وماذا يقول هؤلاء المتحضرون في هذا النص الذى ورد في إنجيل في متى ولوقا: "لا تظنوا أنى جئت لألقى سلاما على الأرض، ما جئت لألقى سلاما بل سيفا".

وهذا ثابت في إنجيلى متى ولوقا، فهل هو مما صحت نسبته إلى المسيح عليه السلام؟ أم هو مما كتبه الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم نسبوه إلى المسيح لتوظيفه في صراعهم السياسى ونفوذهم الدولى؟

أتشكك في نسبة هذا إلى المسيح عليه السلام لأنى أعلم أنه -عليه السلام- داعية المحبة والإخاء والمسامحة والغفران ونبذ الأحقاد والعنف والقتال.

أضف تعليقك