• الصلاة القادمة

    الفجر 04:23

 
news Image
منذ ثانيتين

في أسبوع واحد من هذا الشهر صدر تقريران يوثقان ويدينان التعذيب في مصر، الأول صدر في 52 صفحة عن منظمة "هيومن رايتس ووتش" تحت عنوان: "هنا نفعل أشياء لا تصدق: التعذيب والأمن الوطني في مصر تحت حكم السيسي".

وقد جاء في التقرير أن ضباط وعناصر الأمن الوطني والشرطة يعذبون المعتقلين السياسيين بشكل روتيني بأساليب مختلفة، تشمل الضرب والصعق بالكهرباء والاغتصاب أحيانا، وأن "وكلاء النيابة العامة يتجاهلون ادعاء المحتجزين بالتعرض للتعذيب والإخفاء القسري، بل يعتمدون كليا على محاضر الأمن الوطني الملفَّقة وأحيانا يهددون المحتجزين بإعادتهم إلى التعذيب إذا لم يعترفوا". وانتهى التقرير إلى القول إن هذا التعذيب المنهجي قد يرقى إلى "جريمة ضد الإنسانية".

"لم تكن هناك حاجة لتقارير دولية لتأكيد أن التعذيب موجود وممنهج في مصر، فهذا أمر قديم ومتّبع منذ سنوات بل وعقود. وفي السنوات القليلة الماضية وثّقت منظمات مصرية حالات عديدة، والمجلس القومي لحقوق الإنسان ذاته طالب بالتحقيق في عدة حالات"

أما التقرير الثاني فقد أصدرته لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة، وجاء فيه أن "التعذيب يمارس بصورة منهجية في مصر"، وأن "المدعين العامين والقضاة ومسؤولي السجون يُسهلون أيضا التعذيب، بتقاعسهم عن كبح ممارسات التعذيب والاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة، أو عن اتخاذ إجراء بشأن الشكاوى".
 

ردود رسمية غاضبة

ردود الفعل الرسمية على التقرير الأول كانت غاضبة وأدانت نفسها في واقع الأمر؛ فبدلا من الرد المنهجي على التقارير والتحقيق في الحالات الموثقة، قامت السلطات بحجب موقع المنظمة على الإنترنت لتؤكد للعالم كله أن لا مكان لحرية الرأي في مصر. وفي الوقت الذي تحظى فيه تقارير المنظمة باهتمام واسع على مستوى الحكومات والمنظمات الدولية، اتهمت وزارة الخارجية المصرية المنظمة بأنها ممولة من الخارج، وأنها تستهدف تشويه مصر خدمة لمصالح جهات ودول لم تسمها.

أما المؤسسات الرسمية والإعلامية الأخرى فقد شنت حملة ضد المنظمة بشكل سطحي ومكشوف، كما جرت العادة مع المنظمات الحقوقية المصرية. بل إن رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان -الذي من المفترض أن يحقق في هذه الوقائع- صرّح بأنه لا يوجد تعذيب ممنهج في مصر. 

وانتقد مندوب مصر بالأمم المتحدة تصريحات مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان زيد بن رعد، الذي انتقد "العنف المنهجي" في البلاد و"حملات الاعتقال والاحتجاز التعسفي والابتزاز وحظر السفر وتجميد الأرصدة، الممارسة ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمعارضين السياسيين"، وقال إنها تعكس "منطقاً مختلاً" وحذر من تحوُّل مكتب مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى "بوق لمنظمات مدفوعة بمصالح سياسية ومادية".

في الواقع لم تكن هناك حاجة لتقارير دولية لتأكيد أن التعذيب موجود وممنهج في مصر، فهذا أمر قديم ومتّبع منذ سنوات بل وعقود. وفي السنوات القليلة الماضية وثّقت منظمات مصرية حالات عديدة، والمجلس القومي لحقوق الإنسان ذاته -قبل إبعاد بعض الشخصيات المستقلة منه- طالب بالتحقيق في عدة حالات.

لكن الجديد أن الأمر وصل إلى المنظمات الدولية وصار يوصف بأنه يرقى إلى "جرائم ضد الإنسانية"، وهذا يدفع بالمسألة إلى أبعاد جديدة ستكون لها تداعيات جسيمة ولا سيما في مجال المساعدات الأجنبية وتصدير السلاح والمعدات الأمنية إلى مصر. كما أن التعذيب يُعتبر -حسب القانون الدولي- جريمة تخضع للولاية القضائية العالمية، ويمكن مقاضاة مرتكبيه في أي دولة.

"بدأ القمع بحركة الإخوان المسلمين ثم امتد إلى دائرة أكبر من المعارضين الإسلاميين وغير الإسلاميين على حد سواء، وستستمر الانتهاكات لتصل الجميع بما فيهم هؤلاء الذين يدعمون اليوم هذه السياسة ويقدمون لها التبريرات"

إن التعذيب شكل واحد فقط من أشكال الانتهاكات الممنهجة في مصر منذ إجهاض ثورتها في يوليو/تموز 2013، فهناك عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين (أكثر من 60 ألفا في بعض التقديرات)، ولهذا أنشأت السلطة ما لا يقل عن 19 سجنا جديدا لاستيعاب هذه الأعداد. وهناك مئات الحالات من الإخفاء القسري، وعمليات تصفية جسدية للعشرات.

كما صدرت أحكام أولية ونهائية بالإعدام في حق المئات، وقُدم الآلاف من المدنيين إلى محاكم عسكرية، وفَقد كثيرون وظائفهم وأماكنهم في الجامعات، وخرج إلى المنفى الآلاف في ظاهرة جديدة على المصريين.

لقد بدأ القمع بحركة الإخوان المسلمين ثم امتد إلى دائرة أكبر من المعارضين الإسلاميين وغير الإسلاميين على حد سواء، وستستمر الانتهاكات لتصل الجميع بما فيهم هؤلاء الذين يدعمون اليوم هذه السياسة ويقدمون لها التبريرات.

والسبب بسيط للغاية وقد تم التحذير منه قبل مظاهرات 30 يونيو 2013 ولم تفهمه النخب السياسية إلا متأخرة جدا، وهو أن هذا النمط من أنظمة الحكم يخاصم في جوهره الشعب كله لأنه يعمل لمصلحة قلة تتمتع بالامتيازات والاستثناءات، ولأنه يقوم أيضا على إستراتيجية تقسيم المجتمع إلى فريقين، فريق يفيد النظام بالدعم والتهليل (أو السكوت) وفريق يضم بقية الشعب، أي كل من يرفض القمع والاستبداد وبيع الأرض والتفريط في الثروات.
مقترحات عاجلة للتحرك
ما العمل؟ لقد حان الوقت لأن يدرك الجميع أمرين أساسيين:
الأمر الأول: أن فداحة ثمن النضال من أجل الحرية لا تمثل نهاية التاريخ في مصر، ويجب ألا تؤدي إلى الاستسلام والاعتقاد بأنه لا أمل في التغيير. فلا تغيير بلا ثمن، ولا انقلابات أو ثورات مضادة دون اعتقالات ونفي وإعدامات، ولا يوجد نظام واحد من أنظمة الحكم المطلق لا يستخدم هذه الأدوات لترويع الجماهير، وزرع الخوف واليأس في نفوسهم عبر الإعلام الموجه ومثقفي وفقهاء السلطة.
ويظل الثمن الذي تدفعه مصر الآن أقل من الأثمان التي دفعتها شعوب أخرى، فقد ترك انقلاب الأرجنتين عام 1976 وراءه عشرات الآلاف من القتلى و13 ألف من المختفين، حسب المصادر الرسمية؛ هذا فضلا عن هزيمة عسكرية مذلة في الفوكلاند.

وفي البرازيل، اعتقل انقلابيو 1964 -في الشهور الأولى لانقلابهم- نحو خمسين ألفا وطردوا عشرة آلاف للمنفى. وفي تشيلي تم قتل نحو 3200 شخص واعتقال أربعين ألفا بعد انقلاب 1973. وفي الهند انتهى صراع غاندي "غير العنيف" لأجل الاستقلال بنحو نصف مليون قتيل.

وفي جنوب أفريقيا قُتل -بعد سقوط النظام العنصري وإطلاق سراح نيلسون مانديلا- نحو 1500 إنسان خلال 1994-1990. وفي كينياقتل نحو ألفيْ شخص وشُرّد نصف مليون خلال عقد كامل بعد الانفتاح السياسي. ورغم هذه الأثمان كلها؛ فقد انتقلت كل هذه الدول إلى الديمقراطية بعد تحقق شرط واحد لم يتحقق بعد في مصر.

الأمر الثاني: أن الشرط الأساسي للخروج من هذه الأنظمة القمعية والانتقال إلى الديمقراطية هو إدراك القوى الحية والعقلاء -داخل كل مؤسسة وكل تيار- خطورةَ ما كانوا فيه من قمع واستبداد وفساد، وقبول الجميع بحتمية العمل المشترك لإنقاذ بلدانهم.

هذه الانتهاكات الجسيمة تُشكِّل -في واقع الأمر- فرصة لإنهاء هذا النمط من الحكم إذا أحسنت القوى المجتمعية والسياسية استخدامها. إن هذه الأنظمة لا تتغير من تلقاء نفسها، وإنما لا بد لتغييرها من وجود وعي مجتمعي ضاغط، وقوة سياسية مضادة للأنظمة وبديلة لها في شكل تكتل وطني منظم لديه مشروع سياسي وهدف إستراتيجي واحد، ويعتمد النضال السلمي الممتد. وبدون هذا البديل لا يمكن دفع الخارج إلى تبديل مواقفه والوقوف على الحياد.

إن المشكلة الأساسية في مصر ليست في مهارة النظام وسياساته القمعية، وإنما في فشل القوى المعارضة له في التنظيم، وفشلها في استثمار أخطاء النظام لإنقاذ المجتمع والدولة بكافة مؤسساتها المدنية والعسكرية.

لقد حان الوقت لأن يتوارى عن الساحة السياسية الأشخاص الذين ساهموا في كوارث الأعوام الماضية من جميع التيارات والمؤسسات، وأن يتقدم الصفوفَ العقلاءُ من كل تيار سياسي ومن كل مؤسسة وطنية.
وحان الوقت للارتفاع إلى حجم المسؤولية التاريخية والتداعي لإنقاذ مصر من مصير كارثي. وحان الوقت لتقديم تنازلات مؤلمة والبدء في تحركات متبادلة ومتزامنة على طاولة حوار وطني، تجمع كل من له مصلحة في ثورة 25 يناير/كانون الثاني ومطالبها العادلة، وتناقش من خلالها المخاوف المتبادلة بين هذه الأطراف.

حان وقت الاتفاق على مشروع وطني مصري جامع يقوم على مواجهة دولة الاستبداد والأجهزة السرية، ويتم فيه الاتفاق على قيم عليا حاكمة لمرحلة انتقالية جديدة من ثلاث سنوات على الأقل، تتولى فيها مسؤوليةَ البلاد حكومةٌ وطنية مستقلة، تكون مدعومة سياسيا من جميع القوى السياسية ومن مؤسسات الدولة.

وتقوم هذه الحكومة بإدارة البلاد سياسيا واتخاذ عدة قرارات عاجلة لتوفير الاحتياجات المعيشية ورفع العبء عن المواطنين، وتنقية التشريعات والقوانين، وتحقيق مصالحة سياسية ومجتمعية شاملة، إلى جانب رعاية عدد من الفرق المتخصصة من الخبراء تكلف بمهام محددة.

ومن أهم مسؤولياتها وضع أسس للنظام الديمقراطي البديل بقيمه ومبادئه ومؤسساته وضوابطه وضماناته؛ والذي يقيم نظاما للعدالة الانتقالية يكشف الحقيقة، ويحقق القصاص للشهداء والمصابين والمعتقلين، ويحقق الإصلاح التشريعي والمؤسسي لكافة أجهزة الدولة، وعلى رأسها أجهزة الأمن والقضاء والجهاز الإداري للدولة والإعلام.
كما يعالج هذا النظام البديل العلاقات المدنية العسكرية؛ ونظام العدالة الاجتماعية، ويضع سياسات وبرامج لمعالجات جذرية لكل أوجه الخلل القائمة الآن، يمكن من خلالها تمكين كافة فئات الشعب اجتماعيا واقتصاديا.

أضف تعليقك