• الصلاة القادمة

    الظهر 11:01

 
news Image
منذ ثانية واحدة

لا يعني قرار الحكومة المصرية بحصر الفتوى في عدد محدد من رجال الدين أو الفقهاء يتم اختيارهم من مؤسستي الأزهر ودار الإفتاء المصرية على شاشات الفضائيات المصرية إلا أننا نتجه أكثر وأكثر نحو مزيد من الكهنوت الديني في مصر، كهنوت مراقب وخاضع لسلطة متعطشة لتأميم المجال العام في كافة صوره وأشكاله.

فعلى الرغم من تصريحات رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الصحفي، مكرم محمد أحمد، بأن اختيار العلماء سيكون من عن طريق المؤسستان، الأزهر والإفتاء، وفق مواصفات علمية تحددها الجهتان، دون تدخل من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وذلك من أجل ما اعتبره فوضى الفتاوى على الفضائيات، إلا أن تصريحات متواترة خرجت من المؤسستان بأن هذه القوائم مفتوحة وليست نهائية وقابلة للتجديد والتعديل وهو ما يفتح الباب لفكرة التصارع على "كعكة" الظهور والافتاء على الشاشات، بين رجال الدين والفقه المختلفين،

لاسيما بعد استبعاد أسماء لها شهرتها وظهورها على الفضائيات مثل الدكتورة سعاد صالح والدكتور سعد الهلالي والشيخ أحمد كريمة وخالد الجندي ومبروك عطية وغيرهم، الأمر الذي دفعهم جميعا لمهاجمة القرار ولوم البعض الآخر السلطة على استبعاد اسمه بوصفه كان "ضد الإخوان" ووقف مع "الجيش والشرطة" الأمر الذي يعني بوضوح كيف تستخدم السلطة سيف المعز وذهبه حتى مع من هم داخل معسكرها، وأن السماح بالافتاء أو المنع منه سيكون آداة تهذيب وتأديب وسيطرة مع كل هؤلاء خاصة بعد معركة الطلاق الشفهي وبعض المعارك الجانبية الأخرى التي جرت مؤخرا بين الأزهر والسلطة السياسية وانقسم فيها المشايخ والفقاء داخل مصر.

قد تبدوا الخطوة إيجابية لدى البعض بعدما صدمتهم بعض الفتاوى الدينية أو وجدوا آراءا غرائبية تخرج من حين لآخر على لسان أحد المنتمين للمؤسسات الدينية في مصر، إلا أن السلطة في مصر لا تبدوا أن هذا ما يشغلها بقدر ما يشغلها فكرة صناعة"كهنوت ديني" تابع لسلطتها ويأتمر بأمرها، فمعنى أن يسيطر عدد محدد وأفراد مختارين للإفتاء عبر مؤسسات الإعلام التي هي أوسع الادوات تأثيرا على المصريين، فإن هذا يعني رسالة محددة بأن هؤلاء من يمثلون الرأي الديني القويم والسليم والذي لن تعتبره السلطة "شاذا" أو مخالفا، وإذا خالف أحدهم في فتواه، فيمكن استبعاده ومن ثم تصبح المرجعية ليست الإسلام في ذاته بتراثه الواسع الممتد ولكن تصبح السلطة السياسية والحاكمة وأدواتها وأذرها هي المرجعية التي يتم التحاكم إليها ولو عبر أدوات وآليات ظاهرها الموضوعية والحياد، بينما واقعها، "إطاعة أولي الأمر منكم" و"الدفاتر دافترنا والورق ورقنا" كما قال شيخ السلطان في فيلم الزوجة الثانية.

وإذا كانت السلطة السياسية في مصر تسعى إلى تأميم الدين منذ تجربة عبد الناصر وحتى الآن ومحاولة تطويعها ومن ثم لا غرابة في محاولات التأميم الناعمة للمؤسسات والسلطات الدينية فإن الإقدام على خطوة كتلك يعد صدمة للكثير ممن كان يعول على السلطة "إصلاح الخطاب الديني" وفتح التعددية للآراء المتنوعة بإعتباره أحد روافد فكرة ترسيخ عدم كهنوتية الإسلام كدين.

 لكن فات على الكثيرين من هؤلاء أن مفاهيم كالتعددية ومفاهيم كالإصلاح القائم على الاجتهاد بين متعددين ومختلفين لا يمكن أن يصدر من سلطة عسكرية، ناهيك عن كونها محمولة إلى السلطة عبر دماء معصومة انتهكت حرمتها وهي أشد الأوزار والذنوب التي يمكن أن ترتكب "قتل النفس التي حرم الله قتلها"، وفات هؤلاء أيضا ما فعلته السلطة السياسية من محاولات إستبدال تيارات إسلامية بأخرى قبل أن تزيح تلك الأخرى، ثم بعد ذلك تنفرد لنفسها بوصفها ممثل الإسلام الصحيح والوحيد والحصري بعدما استعانت بفقاء كسعد الدين الهلالي الذي شبه السيسي ووزير خارجيته السابق محمد إبراهيم بأنهم رسل من عند الله.

 يسعى النظام في مصر إلى صناعة كهنوت ديني لمعرفته بصعوبة قادم الأيام خاصة مع التفريط في مياه النيل واستقبال انتخابات الرئاسة العام القادم، وتغيرات المنطقة الإقليمية، والتي قد تنال أماكن مثل فلسطين ومدن كالقدس وغلاء مستعر وهي موجبات لغضب شديد، ومن ثم لا احتمال أن تكون ورقة الدين والتدين لاعبا قويا أو عنصرا فاعلا في أي غضب غير محسوب.

لكن فات هؤلاء وفات السلطة بأننا في عصر لا حواجز فيه، وإن كان السيطرة على أجيال كبار السن من البسطاء سهلة عبر التحكم في منابر الإعلام التقليدية فإن أجيال مشبعة برغبات التحرر وغير خاضعة للأدوات التلقيدية لأن يجدي معها نفعا تلك القيود، بل سترتد على السلطة نفسها وستفاجأها في ردات فعلها. هذا على جانب الجانب الآخر، فهو داخل المؤسسات الدينية نفسها، التي ستتفسخ رويدا رويدا بسبب الغير والتنافس على الظهور، ولن يجد النظام مؤسسات متماسكة يحتميها بورقتها الدينية ولو شكليا.

يصنع النظام في مصر كهنوته من أجل تنصيب وترسيخ فرعون على سدة حكمه أعوام أخرى، رغبة في عدم وجود ضجيج من أي موسى قد يظهر، يطالبه أو يسأله في وقت ما عن الفساد الذي يحدثه في البلاد وفي البلاد المجاورة.

أضف تعليقك