• الصلاة القادمة

    الفجر 06:14

 
news Image

لم تنته بعد قصة 2018 التي أدت إلى حرب فضائية كلامية لمدة تزيد عن العام، فقد بدأت بدعوات على استحياء بأن كل البدائل مفتوحة لتغيير رأس السلطة، ثم ازداد الزخم في الأشهر القليلة السابقة، وتحول البعض إلى راقصين على حلبة المرشحين. والمحزن أن كل المرشحين كانوا ينتمون حصرا للثورة المضادة، أو على الأقل لا ينتمون للثورة ولا حتى للمجتمع المصري، وكأنه صراع بين أجنحة الطبقة الحاكمة على شيء لا نعرفه ولا نريد معرفته.

لقد أظهرت لنا هذه الأشهر أمورا هامة؛ كان لا بد من انتهاء مهرجان 2018 (نظريا) حتى نستعرضها سويا:

1- أصبح واضحا للجميع أن النظام السياسي بكل أجنحته (وليس الرئيس المنقلب فقط) هو نظام لا يقبل بفكرة تداول السلطة، وأن هناك قناعة بأنه صاحب الحق في ذلك؛ بأن يحكم من داخل شبكاته، وغير مسموح بالمساس بتلك المساحة تماما. وأقصد بالجميع هنا من هم في طرف الثورة وترددوا قليلا في هوجة عنان وقبله شفيق، ولكنهم لم يدعموا أحد الاثنين ولو تلميحا، أما من دعموهما فلهم قول آخر.

2- من دعموا أحد المرشحين المنتمين بقول فصل للطبقة الحاكمة والثورة المضادة، شفيق وعنان، يمكن اعتبارهم معادين للشعب؛ حيث أن جزءا معتبرا منهم كان من قيادات أو داعمي مشروع 30 حزيران/ يونيو، وهو مشروع إن لم نعتبره من الثورة المضادة، فهو بالتأكيد مشروع معاد للمجتمع، ويؤمن بحق مجموعة ما في السلطة ويرفض حق المجتمع في ذلك. أما بنظرة أكثر راديكالية، فسيكونون جزءا رئيسيا من الثورة المضادة وإحدى أدواتها لتثبيط المد الثوري وتفكيك أدواته الناشئة، ومعاونة العسكر على الاستمرار في حكم مصر.

3- يشير ما حدث إلى أن الاستمرار في تبني فكرة إمكانية التعامل مع النظام، وإحداث تغيير حقيقي باستخدام أدوات يسيطر عليها النظام، أصبح مصدرا للشك وليس دافعا للمناقشة مع أصحابه. يمكن اعتبار ذلك رأيا، ولكن على أصحابه الكف عن تجميله بعباءات نضالية.

4- وعلى مستوى الخط الاستراتيجي للثورة، ينبغي للقوى التي لم تنهر تحت ضغط سحر الزي العسكري، متمثلا في عنان وشفيق أن تتكاتف في مسار واحد، وتسعى جميعها إلى استكمال البناء الثوري، وهو يحتاج إلى أفكار وتنظيم ثوري أفقي وقيادة وجماهير، ولا زال التنظيم والقيادة الميدانية يحتاجان للكثير من الجهد حتى يكتمل التحضير للفعل الثوري.

انتظر؛ ليست الأمور بهذه البساطة، فأصحاب المشروع المعادي للشعب أو المنتمين للثورة المضادة قد أصبحوا منتشرين بدرجة كبيرة داخل أماكن كانت محظورة عليهم، وهو لا يعنيهم إلا تفتيت المد الثوري، ولذلك فهناك حزمة من المسارات والإجراءات التي يقومون بها ولا يلتفتون إلى الآخر تماما. وهذه نقطة ينبغي أن نتعلمها؛ فقط تحتاج لمعرفة مكان كل واحد، وبعد ذلك عليك التأكد أن تتحرك في الطريق الذي اخترته ولا نتأثر بما يقول العدو.

والمسارات التي يقومون بها كالتالي:

1- دمج رموز من الثورة مع الثورة المضادة لتمييع الوعي العام وإذابة الأفكار الثورية.

2- تغيير مفاهيم الثورة والتغيير وتفريغهما من المضامين الصحيحة، وبث روح الاستسلام والعجز.

3- عدم مخاطبة الشارع، واستمرار تأكيد الوصاية عليه (استكمالا لفكرة 30 حزيران/ يونيو).

ولا شيء على الأرض يجعلهم يتوقفون عما يؤمنون به وهذا بالتأكيد يستحق الإعجاب، ولكن الكثير من الجانب الثوري الحقيقي لا يفعل ذلك، رغم أنه هو الأولى بهذا الإصرار العجيب.

نعود إلى أصحاب المشروع المعادي للثورة أو المنتمين للثورة المضادة وإصرارهم على مشروعهم، فلن يتوقفوا بعد ما حدث خلال الأشهر الماضية، والتي أثبتت عدة أمور أؤكد أنهم لن يلتفتوا إليها تماما، وستبقى المسارات التي يتحركوا فيها واحدة، وستجد الحديث يبدأ عن انتخابات 2022 التي يجب أن نستعد لها من الآن، ولا يجب أن نكرر خطأ 2018 بالتأخر في "التوحد"، وأن السنوات الأربع القادمة حاسمة في تاريخ مصر، وأن "الثورة" تحتاج إلى وجودنا معا، وأن "الشعب المصري" يريد ذلك ويدعمه.

لا ينبغي لأي من قطاعات الثورة التي تتماسك وتنمو الآن أن تنساق وراء هذا العبث، ولا ينبغي أن نضيع أربعة أعوام أخرى من الجهد في مسار خاطئ. بالتأكيد لا مشكلة في إظهار العوار، ولكن المشكلة في الانسياق وراء صراع وهمي في مناطق خاطئة وترك المساحات الصحيحة.

لقد بدأ الحديث عن ذلك فعلا من أحد المحسوبين على الثورة المضادة، والإصرار على الموقف والالتزام بالمسارات اللازمة أحد الأمور التي يجب أن يتعلمها من يريد تغييرا حقيقيا وعميقا.

إن 2022 مثل 2018، طالما بقيت بنية السلطة وبنية النظام كما هي، والحديث عن عمل انتخابي في هذه الأوقات - كما ذكرت - لا ينبغي أن يؤخذ على أنه رأي، والتغيير الجذري ليس له بديل، ولن يحدث تغيير جذري دون تنظيم ثوري وقيادة ميدانية، لذلك يجب على المنتمين لهذه الفكرة أن يكون عملهم الكبير خلال الفترة المقبلة هو تكوين ذلك التنظيم الثوري الأفقي داخل مصر، وستتكون منه القيادة الميدانية.

فليكن هذا عملنا؛ ولتذهب 2018 و2022 إلى الجحيم.

أضف تعليقك