• الصلاة القادمة

    الفجر 04:23

 
news Image
منذ ثانية واحدة

بقلم: د. فتحي يكن

مبررات التعددية عند أصحابها

تكاد تكون التعددية في العمل الإسلامي ظاهرة عالمية لم ينج منها قطر من الأقطار ، صغيرًا كان أم كبيرًا .. بل لم تنج منها أية مجموعة أو جالية إسلامية على امتداد العالم .

ففي كل مكان عشرات التنظيمات والهيئات والجماعات والمشيخات والأحزاب الإسلامية ..

في لبنان مثلاً ـ والذي لا يبلغ تعداد المسلمين فيه أكثر من مليون ونصف مليون نسمة ـ هناك عشرات التنظيمات الإسلامية ، منها : الجماعة الإسلامية ـ حزب التحرير ـ جماعة التبليغ ـ جماعة عباد الرحمن ـ جند الله ـ جمعيات مكارم الأخلاق الإسلامية ـ جمعية المقاصد الإسلامية ـ جمعية المحافظة على القرآن الكريم ـ جمعية التربية الإسلامية ـ جمعية التوجيه الإسلامي ـ جمعية الإصلاح الإسلامية ـ جمعية البر والإحسان ـ جمعية الشبان المسلمين ـ التجمع الإسلامي ـ حركة التجمع الإسلامي ـ المجلس الإسلامي ـ يضاف إلى ذلك المشيخات والفرق الصوفية الكثيرة والمختلفة ..! .

والغريب أن بعض العاملين في الحقل الإسلامي يعتبرون التعددية هذه ظاهرة صحية ، وأنها مدعاة إلى احتواء حجم أكبر من الناس ، وتغطية مساحة أوسع من العمل !! .. وكأن القضية قضية حجم وسعة في الأنصار والانتشار ، وليس في نوعية العمل وفاعليته في إحداث التغيير الإسلامي .

مبررات التعددية عند أصحابها :

وأصحاب القناعة بالتعددية ، والمسئولون عن تعددية العمل الإسلامي ، والذين تسببوا باستحداث تنظيمات وجماعات إسلامية بالرغم من وجود تنظيمات وجماعات إسلامية سابقة ، يعمدون إلى تقديم مبررات لفعلتهم هذه ولتصرفهم ذاك .. وتكاد تكون هذه المبررات واحدة ، منها :

( 1 ) أن التنظيمات الإسلامية السالفة استنفدت أغراضها ، ولم تعد قادرة على تحقيق الأهداف الإسلامية .

( 2 ) أن تلك التنظيمات والجماعات تهتم بجانب من جوانب العمل ، أو تغلِّب جانبًا من الجوانب .

( 3 ) أن تلك التنظيمات والجماعات عليها شبهات كثيرة ، وعلامات استفهام عريضة ، وأن إقامة تنظيم جديد يريح العاملين فيه من كل هذه الشبهات وعلامات الاستفهام .

( 4 ) أن تلك التنظيمات والجماعات وقعت في أخطاء كثيرة .

والآن ما هي النتيجة ؟

والآن لو جئنا نبحث ونفتش عن مآل هذه المبررات بعد توالد التنظيم الثاني والثالث والرابع ..

هل أن التنظيم الأول استنفد أغراضه ، وأن التنظيمات المتوالدة حققت أغراضًا لم يحققها هو ؟ .

وهل نجت هذه التنظيمات من الشبهات والأخطاء بعد قيامها على أرض الواقع ؟ .

إن الحقيقة المرة التي تطالعنا ، هي انهيار هذه المبررات وسقوطها دفعة واحدة بعد ولادة كل تنظيم جديد على الساحة الإسلامية :

( 1 ) فالتحديات والشبهات التي ظن تنظيم ما أنه سيكون في مأمن منها ومنجاة ، لحقته جملة وتفصيلاً .. ولقد غاب عن باله أن الإسلام هو المستهدف والمقصود في الأساس ، وأن العاملين للإسلام كائنًا ما كانت أسماؤهم ومسمياتهم أمام مصير مشترك .

( 2 ) وأن العيب الذي كان يراه في غيره أصبح متهمًا به هو ، وأن سابقة إجازته للتعدد قد فتحت الباب على مصراعيه أمام ما يسمى ( بالحركات التصحيحية ) وأكثرها من عمل الشيطان ؛ لأنها لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانشقاق والانقسام .

( 3 ) وفي النهاية لو جئنا إلى هذه التنظيمات التي توالدت ، وإلى هذه الحركات التصحيحية التي قامت ، لوجدنا أنها لم تتعد في أعمالها مجتمعة حجم ما حققه التنظيم الأول الذي توالدت عنه هذه التنظيمات .

فما الفائدة التي جناها الإسلام ـ إذن ـ من خلال التعددية ؟ وما المكاسب التي حققها التنظيم الثاني والثالث والرابع ولم يتمكن من تحقيقها التنظيم الأول ؟ .

آثار التعددية على الإسلام والمسلمين

مشكلة التعددية ليست في عدم تحقيقها فائدة ما في نطاق العمل الإسلامي فحسب ، وإنما فيما خلقته من آثار سيئة على الساحة الإسلامية ، من هذه الآثار على سبيل المثال :

( 1 ) أنها أعطت كثيرًا من المسلمين مبررات للهروب من الانتماء الحركي ، بسبب ذريعة التحير التي يبديها هؤلاء حيال كثرة الاتجاهات .

( 2 ) أنها فتتت القوى الإسلامية وأضعفتها ، ولم تكن بحال عاملاً في تطوير العمل الإسلامي وإغنائه ، وإنما كانت عاملاً في تشرذمه وتخلفه ، وعاملاً في التشكيك فيه .

( 3 ) أنها سهلت على أعداء الإسلام عملية تصفية الاتجاه الإسلامي باستفراد كل كيان على حدة ، ولم تكن باعث صمود أمام التحدي .

( 4 ) أفرزت حساسيات لدى أتباع كل تنظيم من التنظيمات الأخرى ، مما زاد في تشرذمها ، وأجج العصبية الحزبية الفئوية بين أفرادها ، وجعل بأسها بينها بدل أن يكون بينها وبين عدوها .

( 5 ) وهذا كله عمل على تأخرها وتخلفها وعدم وصول واحدة منها إلى أهدافها ، وبلوغها الغاية التي حددتها لنفسها .

آثار التعددية على المستوى الحركي

ولقد كان للتعددية آثار بالغة السوء والخطورة على العمل الإسلامي ، مما أدى إلى بروز كيانات إسلامية مشوهة ألحقت إساءات بالفكر الإسلامي وبالمنهج الإسلامي .. من هذه الآثار :

( 1 ) بروز ظاهرة الشخصانية والفردية والمشيخية بديلاً عن العمل المؤسسي المنظم .

( 2 ) بروز ظاهرة الإقليمية والمحلية في العمل الإسلامي بديلاً عن عالميته ووحدته ومركزيته .

( 3 ) بروز ظاهرة الولاء الحزبي بديلاً عن الولاء المبدئي والعقيدي .

( 4 ) بروز ظاهرة الجزئية في العمل الإسلامي بدل الكلية والشمولية .

( 5 ) وأبرز هذه الآثار ، هي أن كل فريق كان يقع في نفس الأخطاء التي وقع فيها غيره ، لأنه كان يأبى الاستفادة من التجربة التي مر بها سواه ، وهذا ما يبقي الاتجاه الإسلامي في دوامة من التجارب على حساب الإسلام ، والذكي من اتعظ بغيره ، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين .

الخلفيات الحقيقية للتعددية

الحقيقة أن الأسباب التي يبرر بها هذا التنظيم أو ذاك وجوده وقيامه ـ وبالرغم من وجود تنظيم سابق له ـ غير مقبولة لكونها غير شرعية وغير منطقية ، وغير صحيحة !! .

الحقيقة الأخرى هي أن وراء التعددية أسبابًا وخلفيات كثيرة أخرى يمكن أن نستعرض منها ما يلي :

( 1 ) من الخلفيات الكامنة وراء التعددية في العمل الإسلامي ، خلفيات دولية ـ من هذا المعسكر أو ذاك ـ الهدف منها ضرب العمل الإسلامي الأصيل من قلب الساحة الإسلامية .. فالإنجليز مثلاً عندما أرادوا ضرب الحركة الإسلامية المتوثبة في شبه القارة الهندية بقيادة ( أحمد بن عرفان ) اصطنعوا حركة إسلامية أخرى منحرفة هي ( الحركة القاديانية أو الأحمدية ) .

( 2 ) ومن الخلفيات الكامنة وراء التعددية سلطان النزعة ( الزعامية ) والذي يحول في كثير من الأحيان دون وحدة العمل ، التي تتطلب تجردًا لله ، وتضحية في سبيله ، كما تتطلب نكران النفس والذات احتسابًا لوجه الله .

( 3 ) ومن الخلفيات الكامنة وراء بعض التعدديات ، سلطان النزعة المادية والحرص على المنافع الدنيوية .. فلقد ابتلي الإسلام في هذا العصر بأدعياء يتاجرون بالإسلام ، ويبتزون بالإسلام ، ويحققون من خلاله مصالحهم .. وهؤلاء لا شك يرفضون وحدة العمل الإسلامي لأن من شأنها أن تغلق ( دكاكينهم ) وتعطل مصالحهم وتفوت عليهم الثروات .

من المؤسف أن هنالك عشرات الجمعيات القائمة هنا وهناك وهنالك لها رحلة في الشتاء ورحلة في الصيف لجمع التبرعات من دول الخليج ، وهي في الواقع جمعيات وهمية لا وجود لها ولا أثر على ساحة العمل الإسلامي .

( 4 ) ومن الخلفيات الكامنة وراء التعددية ، الجهل بالإسلام ، أو بمقتضيات العمل الإسلامي في هذا العصر ، وهذا ما جعل ساحة العمل الإسلامي حقول تجارب لفئات شتى من العاملين ، من دون أن تعمد فئة من هذه الفئات إلى الاستفادة من تجارب غيرها .

ولكن كل هذا لا يعني ـ حصرًا ـ انعدام وجود مبررات شرعية وحركية لقيام أي تنظيم إسلامي في أعقاب تنظيم آخر أو على أنقاضه .

أضف تعليقك