• الصلاة القادمة

    الفجر 04:23

 
news Image
منذ ثانية واحدة

بقلم: وائل قنديل

لم يكن استدعاءً إجباريًا إلى المحكمة للإدلاء بالشهادة، بل هي مكافأة نهاية الخدمة، ونهاية العمر، قدّمها عبد الفتاح السيسي للأب الرئيس، أو الرئيس الأب حسني مبارك، لكي يشفي غليله من ثورةٍ أطاحته وجرّدته من السلطة، وجعلته، مثل أي مجرم محتال، يدّعي المرض، حد الاقتراب من الموت، كي يدخل فوق سرير طبي إلى قاعة محاكمته، مبتزًا مشاعر القضاة والمتابعين.

نعم، كانت تلك اللحظة التي انتظرها حسني مبارك سبع سنوات، لكي ينشب مخالبه في جسد الثورة الجريحة، ويرتوي من دمائها.. وينتقم بشهادته ضدها. هل كان من العقل أن يتوقع أحد أن يهدر مبارك هذه الفرصة؟ هل كان منطقيًا أن ينتظر أحدٌ أقوالًا أخرى غير التي أدلى بها مبارك؟

البائس حقًا هو من كان ينتظر من حسني مبارك شيئًا غير هذا الفُجر في العداء، والأكثر بؤسًا هو من يرى أن مبارك قال ما قاله تحت ضغط أو إكراه، أو أنه فضّل أن يقول ما يريده القاضي (عبد الفتاح السيسي) لكي يشتري سلامة ولديه (علاء وجمال)، ويحميهما من بطش السلطة المسعورة.

يتجاهل هؤلاء أن كراهية حسني مبارك ثورة يناير لا تقل عن كراهية السيسي لها، بل ربما تزيد، ولا يتوقفون عن ضخ مزيد من الأوهام، والأعذار، للمومياء المتوحشة العائدة للانتقام، هربًا من الحقيقة الواضحة، كشمس منتصف نهار منتصف أغسطس/ آب.

لم يشهد مبارك زورًا ليفتدي ولديه من سوزان (جمال وعلاء)، بل نطق بما يكنّه في صدره، وما علّمه لابنه من العسكرية (عبد الفتاح السيسي)، بل إن علاقة مبارك بقول الزور قديمة وراسخة، إذ يتغذى على قول الزور، ويتكسّب منه منذ "عاصفة الصحراء" أغسطس/ آب 1991، حين قرّر أن يتعاطى مع الكارثة بمنطق تجار الحروب وتجار الموت، فيقول ما يطلبه الغزاة، ثم يقبض الثمن مليارات من الدولارات، صنعت من دماء أطفال العراق وأشلائهم، ثم يباهي بذلك، في حوار مذاع، معلنًا أنه اشترط على الغزاة أن يسقطوا ديونه، قبل أن ينفذ كل طلباتهم منه.

من فعل ذلك ضد أطفال العراق، هل كان من الممكن أن يفعل عكسه ضد ثورةٍ نزعت منه بطاقة الكنز الاستراتيجي، وجرّدته من أرباح تجارة التسوية، ومكاسب ضبط الإيقاع على حساب القضية الفلسطينية؟.

من اعتبر أن الثلاثين من يونيو/ حزيران 2013 هدية آخر العمر من عبد الفتاح السيسي (العقر) هل كان من الممكن أن ينطق بشهادةٍ محترمة على ثورة يناير، وينصفها؟.

إن أحدًا لم يفرح بالثلاثين من يونيو كما فرح بها حسني مبارك، إذ اعتبرها، في أول ظهور له 2014، عيدًا قوميًا لمصر،  فهي التي أخرجته من السجن، وولديه، ووزراءه، وبالأخص وزير داخليته. وبالأمس كانت "30 يونيو" تحاكم "25 يناير". وبالتالي، لا مفاجأة على الإطلاق في أن يشارك في حفل الانتقام، ويشرب نخب "يناير"، ومن دمها حد الارتواء، كاشفًا الغطاء عن أولئك المهرّجين الذين يروّجون أوهامًا، من قبيل التعاون مع دولة مبارك العميقة لإسقاط انقلاب عبد الفتاح السيسي، الأقل عمقًا، بالقياس على منسوب العداء لثورة يناير.

كل يوم يمر يقدّم دليلًا جديدًا على أن "30 يونيو" جاءت للقضاء على "25 يناير"، حتى وإن شارك فيها، ودعا الناس إلى المشاركة، يدًا بيد مع بقايا دولة مبارك، من كان يصنّف من رموز يناير وأيقوناتها، وتأتي شهادة مبارك لترسخ هذا اليقين، وتقول، بوضوح شديد، إن الذين يصرّون على إمكانية المزج بين يناير ويونيو لتأسيس مشروعٍ لإزاحة السيسي إنما يتعاطون أوهامًا، ويروّجونها على الناس، إذ أن أي مشروع جبهة أو تحالف ينطلق من افتراض أنه بالإمكان وضع قدم في "25 يناير"، والأخرى في "30 يونيو"، للمسير ضد انقلاب السيسي، هو قضية فاسدة منطقيًا.

وإذا كان أصحاب بيوت الخبرة الثورية، المزعومة، قد اعتبروا ذات يوم أن المحتفظين بالأمل في إمكانية عودة الرئيس محمد مرسي نوعًا من ترويج المخدّرات، فإنه بالقياس ذاته يمكن اعتبار أن الراسخين في وهم التحالف مع دولة مبارك لإسقاط السيسي، إنما يمارسون نشاطًا يقترب من تجارة الأعراض والدماء.

طهّروا أنفسكم من لوثة يونيو، ثم حدّثونا عن جبهات استعادة يناير.

 

 

أضف تعليقك