• الصلاة القادمة

    الفجر 04:23

 
news Image
منذ ثانية واحدة

بقلم: عامر شماخ 

قام معرض الكتاب وانفض دون أن أزوره؛ رغم أنى صانع كتب ومؤلف؛ لحاجة فى نفسى، لكن كنت أتابع أخباره، وأرثى للحال التى وصلت إليه ثقافتنا، وقد صارت -للأسف- لسان حال النظام القائم، بعدما غُيبت دور النشر الجادة المعبرة عن هُويتنا.

معلوم أن حرية الكلمة قرين سلامة الوضع السياسى، وأن الأنظمة المستبدة لا تنتج فكرًا، وإن أنتجت فلا تنتج إلا نكدًا. وإذا أردت التعرف على حضارة أمة ومستوى تقدمها انظر إلى عدد إصداراتها من الكتب والدوريات، ثم انظر إلى تنوع هذه الإصدارات؛ فلن تجد نظامًا فاشيًّا واحدًا أنجز فى هذا المجال إلا ما يخدم مصالحه ويبرر إجرامه، ويشوه ما سواه من آراء ومعتقدات.

فى الفترة التى أعقبت ثورة يناير المجيدة، وهى الفترة التى استمتع المصريون خلالها بالحريات، حدثت طفرة فى إنتاج وتوزيع الكتب كما سائر وسائل الإعلام، وأقبل الناس على القراءة بصورة غير مسبوقة، بل صارت مصر سوقًا رائجة لإنتاج الكتاب؛ حيث قصدها ناشرون من شتى دول العالم، ثم حدث التراجع الحاد بعد وقوع الانقلاب المشئوم، وانسحب من الساحة غالبية الناشرين الكبار، وعلى رأسهم الإسلاميون، الذين سُجنوا أو قتلوا أو طوردوا وأُغلقت دورهم، وامتنع الناشرون الأجانب عن مواصلة النشر؛ لما رأوه من كبت للحريات وحرب على الإبداع، وهم أدرى الناس بحساسية أسواقهم إزاء هذه الحكومات الفاسدة..

ولا زال سوق النشر يعانى حتى تحول الكثيرون من النشر إلى أعمال لا تمتُّ له بصلة، أعرف منهم من يعمل الآن فى مجال المقاولات، وكان ملء السمع والبصر، وآخر يتاجر فى منتجات عسل النحل، وثالث ورابع… ولعلمى بخبرات هؤلاء الأشخاص وقدراتهم الإبداعية فإنى أحزن لما صرنا إليه، ولما آلت إليه الأوضاع بعد غياب هؤلاء الأفاضل عن الساحة.

وإذا كان غياب الفكر الرشيد عن ثقافتنا يمثل خطورة على المجتمع ويترك فراغًا كبيرًا لا يسده غيره؛ فقد ظهرت -خصوصًا هذا العام والعام السابق- أشكال جديدة من الثقافة، هى ثقافة الإباحية والإسفاف، موجهة للشباب من الأساس، وقد غُلفت بصورة تحريرية شائقة، هى القصة، أو الرواية، وهو نمط يهواه الشباب، ولا يستطيع قراءة غيره؛ حيث يناسب ضحالتهم اللغوية والفكرية. أما مضمون هذه القصص والروايات فلا أستطيع عرض نماذج له فى هذا المنبر؛ لما تحتويه من عهر ورذيلة، وحض على الفاحشة، ومواضيع إباحية خطتها أقلام نسائية!!

ولقد صادفت ناشرين ممن كانوا لا يعرفون إلا اللون الجاد من الأعمال الفكرية والأدبية، اضطروا لمجاراة «السوق» فتورطوا فى هذه الأعمال الماجنة ذات الأرباح المضمونة، والتى لا تضع عليهم قيودًا مثل التى توضع عليهم حال إنتاج الأعمال القيّمة؛ فالسلطة تشجع هذا النمط المخل من النشر، وتسعى جاهدة لشغل الشباب والأجيال الصغيرة به، وتلاحق من ينشر أعمالاً تحض على الإصلاح أو تنتقد أوضاعًا فاسدة، وقد جندت وزارتها المختصة (وزارة الثقافة) لدعم هذا الفكر، وتسويقه، وعقد الفعاليات والمناشط التى تروج له ولأصحابه.

قد يعترض البعض على ما ذكرت بأن المعرض كان يعجُّ بالزوار، وأنه لقى رواجًا لم يلقه فى السنوات السابقة. وأؤكد أن هذا رواج وهمى؛ قائم على الدعم الحكومى والسعى لإظهار المعرض بهذه الصورة من الزحام لإثبات حالة من النجاح تؤكد استتباب الأمن، ووسائل ذلك كثيرة؛ منها توفير حافلات لنقل الزائرين وتنظيم رحلات جماعية لم نعهدها من قبل، تقديم المعرض لخدمات وسلع غير الكتاب يزوره الشباب لأجلها فقط. ولا ننكر أن هناك توزيعًا لا بأس به للكتاب، ولكن كما قلت بأنه الكتاب القصصى الخليع أو الرواية الماجنة، أو كتب الإلحاد الهدامة..

وعلى ذكر الإلحاد فإن هذا جانب آخر تدعمه السلطة وتغذى مصادره؛ وهو هدف مرتبط بالحرب على ما يسمى «الإسلام السياسى»، ومثال ذلك كتاب «الفاشية الإسلامية» الذى عرضه صاحبه، الملحد المقيم فى ألمانيا والمعروف بمعاداته للإسلام والمسلمين. هذا الكتاب يتم الدعاية له منذ فترة، وقد وضع على غلافه رسم كاريكاتورى للإمام حسن البنا؛ ليمر من الرقابة -كما قال أصدقاء المؤلف على صفحته بالفيس بوك- أما داخله فطعن صريح فى الإسلام وشريعته؛ أى أن السلطة سمحت به لمجرد استخدامه صورة البنا من باب تشويه جماعة الإخوان المسلمين، أما المحتوى الذى يزدرى الإسلام فلا حاجة لها فى مراجعته أو مجرد الاعتراض عليه

ثمة ملاحظة أخرى هى غياب الإبداع والمبدعين الحقيقيين؛ حيث أتيحت الفرصة لمن يجيدون الكتابة القذرة والتصوير الإباحى والهرتلة الإلحادية، أما الإبداع والمبدعون وهو الإفراز المفترض لمثل هذه المعارض فقد غاب وغابوا بفعل فاعل، للأسباب التى ذكرناها فى المقدمة؛ إذ الأنظمة المستبدة لا تنتج فكرًا، وإن أنتجت فإنها لا تنتج إلا نكدًا.

أضف تعليقك