• الصلاة القادمة

    الفجر 04:23

 
news Image
منذ ثانية واحدة

رسالة من الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام السابق للإخوان المسلمين

تمهيد

"إن الدماء التي خضبت أرض فلسطين .. وإن آلاف الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل المثل الإسلامي الأعلى .. وإن المسجد الأقصى الذي انتهكت حرمته .. كل أولئك يهيبك أيها الأخ المسلم أن تبذل في سبيل الله ما وهبك من روح ومال لتكون جديراً بالاسم الذي تحمل، وباللواء الذي ترفع وبالزعيم الذي أنت به مؤمن ..".

حسن البنا سنة 1931م

ما دام في فلسطين يهودي واحد يقاتل فإن مهمة الإخوان لن تنته.

الإمام حسن البنا وفلسطين

حظيت القضية الفلسطينية من الإمام الشهيد حسن البنا باهتمامٍ بالغٍ، حتى لا تُذكر فلسطين إلا ويُذكر معها الإمام وجهاد الإخوان المسلمين.

إن فلسطين تضم الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومهد الرسالات السماوية، وأرض المعارك الإسلامية المجيدة التي لا توجد فيها ذرة رملٍ واحدةٍ إلا وقد رُويت بدماء الصحابة والتابعين والمجاهدين من السلف.

كيف لا .. وهي جزءٌ من العقيدة الإسلامية وملكٌ لجميع المسلمين، وقطعةٌ من الوطن الإسلامي غاليةٌ لا يجوز التفريط في شبرٍ واحدٍ منها؟!.

ولقد عبَّر الإمام الشهيد عن ذلك بقوله: "فلسطين تحتل من نفوسنا موضعًا روحيًّا وقدسيًّا فوق المعنى الوطني المجرد؛ إذ تهب علينا منها نسمات بيت المقدس المباركة، وبركات النبيين والصديقين، ومهد السيد المسيح عليه السلام وفي كل ذلك ما ينعش النفوس ويُغذي الأرواح".

 

 

وقضية فلسطين لدي الإمام الشهيد، في المقام الأول قضية الإسلام وأهله، هي كما قال: (قلب أوطاننا وفلذة كبد أرضنا وخلاصة رأسمالنا وحجر الزاوية في جامعتنا ووحدتنا) وعليها (يتوقف عز الإسلام أو خذلانه).

وكان الإمام الشهيد يدرك أنها ليست قضية بسيطة، وأن العدو فيها ليس عصابات الإجرام والاغتصاب الصهيونية فحسب، بل هي في حقيقتها معركة كبرى (سوف تجسد الصراع بين قوى الشر والكفر والظلم من أمم الاستعمار الظالمة من ناحية وقوى الخير والعدل والمرحمة من ناحية أخرى).

وقد جعل الامام الشهيد القضية الفلسطينية قضية العروبة والإسلام في القرن العشرين.

وبقدر ماكان هذا التصور واضحا في فكر الإمام الشهيد .. إلا أنه لم يكن كذلك لدى عامة الشعب المصري وخاصته بل وغيره من الشعوب الإسلامية في ذلك الحين .. اللهم إلا تلك العصبة التي رباها الإمام الشهيد على عينه .. ومن هنا كانت الجهود المضنية التي بذلها الإمام الشهيد وإخوانه في تعريف الناس وتوعيتهم بكثير من المؤامرات على بلاد المسلمين، وفي مقدمة ذلك فلسطين.

فقد كان الناس في مصر في ذلك الوقت يجهلون أن هناك بلداً اسمه فلسطين ، وأن هذا البلد بجوارهم أقرب إلى القاهرة من أسوان؛ فشرع الإمام يرسل شباب الإخوان في مساجد القاهرة والمحافظات يحدثون الناس عن ظلم الإنجليز وبطشهم وتآمرهم على أهل فلسطين ، ثم دعا بعد ذلك إلى مقاطعة المجلات اليهودية في القاهرة، فطبع قائمة كشوف بأسماء هذه المجلات وعناوينها، والأسماء الحقيقية لأصحابها وذيلت الكشوف بعبارة "إن القرش الذي تدفعه لمجلة من هذه المجلات، إنما تضعه في جيب يهود فلسطين ليشتروا به سلاحاً يقتلون به إخوانك المسلمين في فلسطين".

وكان حريصاً أن يعلم كل مصري وكل مسلم خارج مصر أن الإنجليز قد احتلوا فلسطين وحكموا أهلها بالحديد والنار وأنهم يمهدون لإقامة دولة صهيونية عليها، وطرد أهلها منها، ويقومون بتدريب اليهود وتأهيلهم، وفي الوقت ذاته يطاردون كل مسلم على أرض فلسطين إن تدرب على حمل السلاح ويحكمون عليه بالإعدام.

فها هو ذا رحمه الله يعلن في المؤتمر الخامس لجماعة الإخوان المسلمين أن الوطن الإسلامي كلٌ لا يتجزأ والاعتداء على جزء منه اعتداء عليه كله، ولابد أن يعمل المسلمون لتخليص البلد المعتدى عليه، وإنّ إنجلترا قد احتلت فلسطين وفلسطين وطن كل مسلم باعتبارها من أرض الإسلام ومهد الأنبياء وعلى المسلمين أن يحرروها من أيدي غاصبيها كما يجب عليهم أن يحرروا غيرها ممن اغتصبوها.

قال رحمه الله: (ونذكر الوفود الإسلامية بمكر إنجلترا وخداعها، ووجوب القيام على حقوق العرب كاملة غير منقوصة، ولنا حساب بعد ذلك مع إنجلترا في الأقاليم الإسلامية التي تحتلها بغير حق، والتي يفرض الإسلام على أهلها وعلينا معهم أن نعمل لإنقاذها وخلاصها).

وقام الإمام رحمه الله بتوزيع كتاب (النار والدمار في فلسطين) وهو كتاب يعرض بالصور والوثائق الجرائم التي ارتكبتها بريطانيا ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، ومن هذه الصور هجوم الإنجليز على البيوت، وصورهم وهم يمزقون المصحف الشريف ويدوسونه بأحذيتهم وصور من الجرائم والتعذيب بلغت 50 صورة.

لقد أمر البنا رحمه الله بتوزيع عشرات الآلاف من هذا الكتاب فجن جنون الإنجليز في مصر وأوعزوا للحكومة المصرية بمنع هذا الكتاب وملاحقة من وزعه، فداهمت المركز العام قوات من البوليس المصري فوجدت من الكتاب 150 نسخة .. وسأل رئيس القوة عن صاحب هذه الكتب فتقدم الأستاذ البنا وقال: أنا صاحبها، فطلب الضابط من الإمام البنا أن يصحبه إلى النيابة وجرى التحقيق التالي مع البنا رحمه الله:

س: هل أنت صاحب هذا الكتاب؟

ج: أنا صاحبها.

س: ألا تعلم أن هذه الكتب تهاجم السلطات وتثير الشعب ضد دولة صديقة وحليفة بحكم المعاهدة؟

ج: أعلم ذلك، وقد قصدت مهاجمة هذه السلطات، ومهاجمة هذه الدولة الحليفة.

س: ألا تعلم أن القانون يعاقب على هذه الجريمة؟

ج: أعلم، وأنا لا أمانع في إحالتي للقضاء، لأني معترف بهذه الجريمة ومصر عليها.

وأنهى وكيل النيابة التحقيق ورفعه للنائب العام ليحاكمه وكان الإمام البنا كما رأيتم يرغب بالمحاكمة لتكون له فرصة أمام القضاء ووسائل الإعلام ليبشر بفكرته وموقفه.

وهذا ما فطن إليه العملاء بتوجيه سادتهم الإنجليز والقادة الإنجليز في القاهرة، فقد قال السفير للنائب العام بعد أن قرأ التحقيق: إنك بهذا التحقيق تقدم لحسن البنا أعظم خدمة دون أن تدري ... لقد استطاع هذا الرجل أن يضحك عليكم ... لقد وزع الكتاب وأصبح في أيدي الناس في كل مكان وما صادرتموه منه لا يعد شيء يذكر بجانب ما تم توزيعه. إن أمنية هذا الرجل هي أن يقدّم للقضاء ليتخذ من منصة الدفاع عن نفسه في هذه القضية السياسية وسيلة إلى نشر أفكاره، وإلى التشهير بنا، وفضيحتنا، وتوصيل ما تضمنه الكتاب إلى أسماع من لم يصل إليه عن طريق الصحف التي ستتبارى في نشر ما يقال في القضية كدأب الصحف في القضايا السياسية ... هذا التحقيق يجب أن يحفظ ويفرج عن الأستاذ البنا في الحال.

وقد سلكت الجماعة العديد من السبل لتوعية الأمة والشعوب الإسلامية بالقضية الفلسطينية:

منها إصدار منشورات تهاجم الإنجليز ومظالمهم في فلسطين وتبيّن خطر اليهود، وكانت توزع على نطاق واسع جداً.

ودعوته رحمه الله إلى مقاطعة المجلات اليهودية في القاهرة، فطبع قائمة كشوف بأسماء هذه المجلات وعناوينها، والأسماء الحقيقية لأصحابها، وذُيّلت هذه الكشوف بهذه العبارة : إن القرش الذي تدفعه لمجلة من هذه المجلات إنما تضعه في جيب يهود فلسطين ليشتروا به سلاحاً يقتلون به إخوانك المسلمين في فلسطين.

ومما يجدر ذكره أن الحكومة المصرية وسلطات الاحتلال كانوا جميعاً يفاجأون بهذه المنشورات، وهي تراها في أيدي الناس في الشوارع والمحلات والمعاهد والمدارس، وكان كبار موظفي الدولة والوزراء يذهبون في الصباح الباكر إلى مكاتبهم فيجدون هذه المنشورات عليها.

ثم طلب الأستاذ البنا إلى الإخوان المسلمين وسائر المسلمين في المساجد أن يقنطوا في صلواتهم من أجل فلسطين، ووجّه بذلك كتباً إلى شعب الإخوان ذاكراً مشروعية هذا القنوط في النوازل ونازلة فلسطين من أشد النوازل، واقترح دعاء مفاده طلب النصر من الله لإخواننا أهل فلسطين على أعدائهم وإزالة الكرب عنهم وتأييد جهادهم.

وقد أحدثت هذه الجهود بفضل الله تعالي أثرها المرجو .. ينبأنا به تلك التحقيقات مع شباب الإخوان في المعتقلات.

المحقق معه: مرسي الصوت (صياد).

يقول له النائب العام: مالك ومال فلسطين، دي دولة، واحنا دولة.

مرسي الصوت: فلسطين دولة عربية ومسلمين وتربطنا بهم صلة الجوار وصلة الإسلام والقرآن.

النائب: لكن أنت صياد وما لك تدخل في صفوف الطلبة.

مرسي الصوت: ليس في الإسلام عامل وطالب، كلنا في الإسلام إخوان مسلمون، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

ويجري الحوار بين النائب والطالب محمود القبائي.

النائب: من الذي أصدر إليك الأمر بعمل مظاهرة لفلسطين.

الطالب: الإسلام يأمرنا بالتعاون والتساند، ورسولنا يقول لنا: (مَنْ لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم).

النائب: لكن فلسطين دولة غير دولتنا ولا يعنينا أمرها.

الطالب: فلسطين جارة لنا، وهي أقربُ لنا من أسوان، ولابد من الاهتمام بأمر الجار خوفاً من أن يجاورنا اليهود الذي حذّر الله منهم.

ومما يجدر ذكره أن الأستاذ البنا قد زار بعض الطلاب المعتقلين في دمنهور فقال له مأمور القسم يجامله:

إن المسألة بسيطة وقريباً سوف تفرج عنهم النيابة.

فقال له الأستاذ المرشد: إن هذه أول دفعة، وسوف تأتيك دفعات أخرى ما بقي حالُ البلاد الإسلامية على هذا لمنوال، فكلّ هذا بالنسبة لنا تربية.

ومنذ أن قامت الثورة الفلسطينية القوية في عام 1936م، أصبحت القضية الفلسطينية القضية الرئيسية في مشوار جهاد الإخوان المسلمين المقدس.

حيث قام المجاهدون الفلسطينيون وأعلنوا الإضراب الذي استمر ستة أشهر فعطلت فيها مرافق البلاد مطالبة بوقف الهجرة اليهودية إلي فلسطين، وإقامة حكومة وطنية، وقد حاول الأنجليز قمع هذه الحركة بالقوة ولكن تحولت هذه الحركة إلى ثورة، واستعصم المجاهدون بالجبال الوعرة .. وارتكب الإنجليز في هذه الفترة من الجرائم الوحشية ما يندي له جبين الإنسانية .. فدمروا المنازل، وأحرقوا القرى، وتركوا المدن نهبا مباحاً، ولكن لم تزد هذه الأعمال النار إلا اشتعالاً ولم تزد الشعب إلا تمسكاً بحقوقه والدفاع عنها.

فعمد الإنجليز إلى أسلوب جديد وطالبوا ملوك العرب وأمراءهم بالتدخل لإنهاء الحرب والحالة المضطربة في البلاد فاستجاب الملوك والأمراء وأصدروا نداءات للمجاهدين يطلبون فيها إنهاء الثورة، ويعدون المجاهدين بالتدخل الحاسم لحفظ حقوق العرب المشروعة في فلسطين.

 

وللأسف الشديد انخدع الأخوة الفلسطينيون بهذه النداءات فأعلنوا نهاية الثورة، وتألفت لجنة مشتركة لبثت في فلسطين فترة طويلة ثم قدمت تقريرها عام 1937م الذي أشارت فيه لأول مرة إلى تقسيم فلسطين إلي دولتين مستقلتين فثار الفلسطينيون من جديد .. وخرجت المظاهرات في أغلب محافظات القطر المصري وكان أبرزها تلك المظاهرات التي اشتعلت في الإسكندرية والتي قبض في أثنائها علي الأخ الحاج عباس السيسي وجمع كبير من إخوانه، وكذلك حدث في مظاهرات الإسماعلية أن قبض علي الأخ المرحوم الشهيد يوسف طلعت وبعض إخوانه.

رد الإخوان على الكتاب الأبيض

وأصدرت الحكومة البريطانية ما أسمته بالكتاب الأبيض الذي بيّن سياسة الإنجليز في فلسطين، وخيب أمل الفلسطينين والعرب جميعاً.. فكتب الإمام الشهيد حسن البنا خطاباً وجّهه إلى رفعة رئيس الوزراء وقتئذ المرحوم محمد محمود باشا بتاريخ 2 ربيع الثاني 1358 هـ (الموافق 21 من مايو سنة 1939م) بدأ بالفقرة الآتية بعد أن حمد الله وأثني عليه.

"أما بعد ..

فقد نشرت الصحف نص الكتاب الأبيض الذي أصدرته الحكومة الإنجليزية عن فلسطين وقرأ الإخوان المسلمون ذلك الكتاب المشئوم في ألم واستنكار وثورة.

أما الألم فلتلك النكبات المتلاحقة التي تحل بفلسطين الأبية المجاهدة ذلك الجزء العزيز الغالي من الوطن الإسلامي العام.

وأما الاستنكار فلذلك التحدي الصريح لشعور المسلمين، وتلك الإهانة القاسية لزعمائهم ورؤساء حكوماتهم.

ولقد كان للحكومة المصرية من هذه الإهانة الحظ الأوفر إذ ساهمت في محادثات لندن والقاهرة بأكبر نصيب.

وأما الثورة فسأكون يا صاحب المقام الرفيع صريحاً معكم في بيانها إلى أبعد حدود الصراحة.

ثم قال الإمام الشهيد رحمه الله:

فمنذ قامت الثورة الإسلامية بفلسطين والإخوان المسلمون يساهمون مع جنود تلك الثورة الرائعة الكريمة بأموالهم وإن قلت وبجهودهم وإن انحصرت في نطاق ضيق، وكنا نحاول دائماً أن نهديء من ثائرتهم آملين أن تصل الحكومات العربية إلى حل لقضية الإسلام والعروبة يحقق للمسلمين آمالهم وللعرب حقوقهم، ولقد شجعنا على انتهاج سبيل التهدئة ما كنتم تصرحون به رفعتكم من أن مصلحة القطر الإسلامي الشقيق تقتضي سير المفاوضات في جو هاديء.

ولقد كنا متوقعين برغم ذلك طوال تلك الفترة العصيبة من أن الإنجليز واليهود لن يفهموا إلا لغة واحدة هي لغة الثورة والقوة والدم.

ولكن تحاشينا أن نتعجل الحوادث حتى لا يكون لأحد حجة علينا إن اضطرتنا الحوادث فيما بعد إلى أن نسلك السبيل الذي ترضاه ضمائرنا.

والآن وقد جاهر الإنجليز واليهود في كل أنحاء العالم حتى يهود أمريكا التي تتخذ الحياد شعاراً لها في كل مشاكل العالم الآن.

وقد جاهر الإنجليز واليهود المسلمين بالعداء فأصبح لزاماً على كل أخ مسلم أن يؤدي واجبه بما يرضي الله ورسوله وبما يحفظ للإسلام كرامته وللدين قداسته ولذلك الجزء الطاهر من أرض الوطن الإسلامي حريته".

كما جاء في فقرة أخرى من الخطاب:

يا صاحب المقام الرفيع:

"إن الدماء التي خضبت أرض فلسطين.. إن آلاف الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل المثل الإسلامي الأعلى .. إن شباب العرب الذين أرسل بهم الإنجليز إلى المشانق مئات إثر مئات .. إن الشيوخ الذين أنزل بهم المستعمرون ألواناً وحشية من التعذيب الذي أعاد إلى الأذهان صور محاكم التفتيش في أسوأ عهودها.. إن المسجد الأقصى الذي انتهكت حرمته واعتدى الجنود الإنجليز على قداسته..

إن كرامة زعماء المسلمين وملوكهم وأمرائهم الذين تدخلوا في هذه القضية فلم يسمع لهم مشورة ولم يطع لهم قول بل كرامتكم أنتم شخصياً وقد كنتم محل أمل كبير في ذلك..

إن كل أولئك يهيب بك أيها المسلم أن تبذل في سبيل الله ما وهبك الحق تبارك وتعالى من روح ومال لتكون جديراً بالاسم الذي تحمل وباللواء الذي ترفع وبالزعيم الذي أنت به مؤمن، ويجعل من الواجب على الحكومة المصرية وقد لحقت بها تلك الإهانة البالغة أن تحافظ علي كرامتها - وكرامتها من كرامة الشعب - وليس يكفي أن تعلن أنها لا توصي أبناء فلسطين بقبول الكتاب الأبيض، فهناك وسائل كثيرة أقلها استقالة الحكومة حتى لا تتعاون مع الإنجليز في الوقت الذي تلعب فيه السياسة الإنجليزية ببقعة غالية من الوطن الإسلامي العزيز".

كما أرسل الإمام الشهيد في نفس التاريخ خطابا إلى السفير البريطاني في مصر يندد فيه بالسياسة الإنجليزية في فلسطين ويشجب الكتاب الأبيض ويطلب إليه رفع الاعتراض على هذه التصرفات إلى حكومته بلندن .. وقد قال الأٍستاذ البنا رحمه الله في المذكرة:

"إن قضية فلسطين قضية كل مسلم، وإن الحكومات الإسلامية والشعوب الإسلامية إن عبرت عن إظهار هذا الشعور المتمكن من نفوسها.. فإن هذا مما يزيد ألمها، ويضاعف همومها، وبالتالي لابد من الانفجار يوماً للشعور المكبوت، فتخسر إنجلترا صداقة العالم الإسلامي إلى الأبد، نرجو أن تدرك الحكومة البريطانية هذه الحقيقة قبل فوات الوقت بالرغم من كل ما يخدعها به اليهود".

خطاب من المرشد العام إلى حاخام وكبار الطائفة الإسرائيلية

تحية طيبة وبعد:

فقد قرأت بجريدة (أخبار اليوم) وجريدة (الزمان) أمس أن الحكومة المصرية قد اتخذت التدابير اللازمة لحماية ممتلكات اليهود ومتاجرهم ومساكنهم .. الخ، فأحببت أن انتهز هذه الفرصة لأقول إن الرابطة الوطنية التي تربط بين المواطنين المصريين جميعاً على اختلاف أديانهم في غنى عن التدبيرات الحكومية والحماية البوليسية ولكن نحن الآن أمام مؤامرة دولية محكمة الأطراف تغذيها الصهيونية لاقتلاع فلسطين من جسم الأمة العربية، وهي قلبها النابض.

وأمام هذه الفورة الغامرة من الشعور المتحمس في مصر وغير مصر من بلاد العروبة والإسلام، لا نرى بداً من أن نصارح سيادتكم وأبناء الطائفة الإسرائيلية من مواطنينا الأعزاء بأن خير حماية وأفضل وقاية أن تتقدموا سيادتكم ومعكم وجهاء الطائفة فتعلنوا على رؤوس الأشهاد مشاركتكم لمواطنيكم من أبناء الأمة المصرية مادياً وأدبياً في كفاحهم القومي الذي اتخذوه - مسلمين ومسيحيين - لإنقاذ فلسطين، وأن تبرقوا سيادتكم قبل فوات الفرصة لهيئة الأمم المتحدة والوكالة اليهودية ولكل المنظمات والهيئات الدولية والصهيونية التي يهمها الأمر بهذا المعنى، وبأن المواطنين الإسرائيليين في مصر سيكونون في مقدمة من يحمل على الكفاح لإنقاذ عروبة فلسطين.

يا صاحب السيادة:

بذلك تكونون قد أديتم واجبكم القومي كاملاً وأزلتم أي ظل من الشك يريد أن يلقيه المغرضون حول موقف المواطنين الإسرائيليين في مصر وواسيتم الأمة كلها والشعوب الإسلامية في أعظم محنة تواجهها في تاريخها الحديث، ولن ينسى لكم الوطن والتاريخ هذا الموقف المجيد.

وتفضلوا بقبول فائق احترامي.

حسن البنا

ومما يجدر ذكره أنه حينما سئل رئيس وزراء مصر وكان النحاس باشا، وهو في طريقه إلى فرنسا عن رأيه في الثورة المشتعلة في فلسطين وبيت المقدس والتي استمرت حتى عام 1939م وأوقعت آلاف الشهداء والجرحى، وزجّ بعشرات الألوف في غياهب السجون، فأجاب بقوله: أنا رئيس وزراء مصر ولست رئيساً لوزراء فلسطين، ونشرت كثير من الصحف العربية والأجنبية هذا التصريح.

ولما بلغ هذا التصريح الأستاذ البنا انتفض أسداً يصدر تعليماته على الفور لجميع شعب الإخوان المسلمين ليتظاهروا احتجاجاً على ما تضمنه التصريح من تخلٍّ صريح عن فلسطين، فعمَّت المظاهراتُ جميع أرجاء القطر المصري، ورفعت شعارات تتضامن مع أهل فلسطين وتندد بالسياسة البريطانية فيها:

- فلسطين تحترق فتنبّهوا أيها المسلمون.

- فلسطين عربية إسلامية.

- تسقط بريطانيا حليفة اليهود ويسقط وعد بلفور.

- الدمار لأعداء الإسلام.

فدفعت الحكومة المصرية أعداداً من البوليس فاعتقلوا شباب الإخوان وفتشت بيوتهم وأسيء إلى أسرهم.

ولقد استطاع الإمام البنا رحمه الله أن يتجاوز حدود مصر في العمل السياسي وبخاصة إلى قضية فلسطين، فدعا إلى عقد أول مؤتمر عربي من أجل نصرة فلسطين، وقرر أن يكون مقر المؤتمر دار المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين بالقاهرة، ووجّه الدعوات إلى رجالات البلاد العربية، فلبّوا النداء، وحلّوا ضيوفاً على جماعة الإخوان المسلمين.

وفي نهاية المؤتمر تكلم الأستاذ البنا، وختم المؤتمر بقرارات تطالب حكومات الدول العربية بالتدخل من أجل إنقاذ فلسطين من المؤامرة الإنجليزية اليهودية.

وبعد هذا المؤتمر صار يتوافد على دار المركز العام كثيرون من ذوي الرأي والسياسة ليتفاهموا مع الإخوان المسلمين فيما يجب عمله لإنقاذ فلسطين، وتمخضت الكفاءات عن ضرورة عقد مؤتمر برلماني عالمي، فوجهت الدعوات إلى جميع برلمانات العالم لعقد مؤتمر في القاهرة لمعالجة قضية فلسطين.

فاستجابت كثير من البرلمانات فأوفدت ممثلين لها وعقد المؤتمر بالقاهرة، وكان هذا أول مؤتمر عالمي من أجل فلسطين، فشرحت القضية الفلسطينية، وانتهى المؤتمر بقرارات موجهة إلى جميع العالم وإلى الحكومة البريطانية بخاصة بوجوب المحافظة على حقوق أهل فلسطين.

لقد كان هدف الإخوان من هذه المؤتمرات هو أن يسمع العالم كله بعدالة هذه القضية وظلم الإنجليز الذين يزيفون الحقائق بتواطؤ مع اليهود.

وقد قام الإمام البنا رحمه الله بمظاهرة بلغت نصف مليون في 1947/4/12 انطلقت من الأزهر تضم الطلاب والعمال والمحامين والمهندسين ووقف خطيباً في الجماهير المحتشدة وكان مما قال: إن هذا الشباب ليس هازلاً، ولكنهم جادون عاهدوا الله ثم الوطن أن يموتوا من أجله، إن كان ينقصنا السلاح فسنستخلصه من أعدائنا ونقذف بهم في البر.

لقد آمن الإمام البنا رحمه الله أن الطريق السليم للمحافظة على الحقوق وتخليصها من مغتصبيها هو القتال.

وحين تشكلت المنظمات العسكرية العربية وأخذت تمارس تدريبها قام خلاف بين قادة "النجادة" و"الفتوة" وفطن الإخوان المسلمون للخطر الكبير الذي ينطوي عليه هذا الخلاف فقاموا بمحاولات كثيرة للتوفيق بين وجهات النظر المتعارضة انتهت باختيار المجاهد الكبير المرحوم (الصاغ محمود لبيب) وكيل الإخوان المسلمين منظماً لهذه التشكيلات، وأخذ يباشر تنفيذ برنامجه ولكن لم تمض إلا فترة وجيزة حتى فطنت الحكومة البريطانية إلى هذا الخطر فأوعزت إلى الحكومة المصرية بمطاردة دعاة الإخوان وشبابهم، وأمر الصاغ محمود لبيب بمغادرة البلاد.

ولما أصبحت الحرب ضرورة ملحة التقى سماحة المرحوم السيد محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين ورئيس الهيئة العربية العليا بفضيلة الإمام الشهيد حسن البنا وتشاورا في هذا الأمر وكان أن طلب الإمام الشهيد اجتماع الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين وحضر بالنيابة عن سماحة المفتي الشيخ محمد صبري عابدين سكرتير الهيئة العربية العليا الذي قام خطيبا في هذا الاجتماع وشرح الظروف القاسية التي تمر بها فلسطين وحاجة المجاهدين إلى السلاح والرجال والمال.

وتقرر في هذه الجلسة إنشاء المعسكرات لتدريب الإخوان للجهاد على أرض فلسطين، وأخذ فريق آخر يجمع المال اللازم لهذه المعركة، كما قام الفريق الثالث بجمع الأسلحة التي يمكن الحصول عليها، وقد واجهت الحكومة المصرية بإحالة المشتركين فيه إلى المحاكمة، ولكن القضاء المصري النزيه حينما عرف سمو المقصد وأن هذا السلاح من أجل فلسطين أفرج عن المقدمين للمحاكمة وعن السلاح أيضاَ.

برقية من الإمام البنا

وقبل انتهاء الانتداب البريطاني في 15/5/1948م اجتمع زعماء الدول العربية في "عالية " بلبنان أرسل البنا رحمه الله برقية لهم يخبرهم بأنه على استعداد أن يقدم عشرات الألوف من شباب الإخوان المسلمين إلى فلسطين لتحريرها أو الاستشهاد فيها، وأن الكتيبة الأولى وعددها عشرة آلاف متطوع مجهزة للدخول والقتال.

جهاد الإخوان في سنة 1948م

وعندما دخل الجيش المصري فلسطين اشترك الإخوان في معظم العمليات الحربية التي قام بها جيشنا الباسل ورغم ذلك لم تخفف حكومة النقراشي القضية على دخول مزيد من الإخوان إلى ساحة الجهاد في فلسطين واضطر العديد من الإخوان الدخول إلى فلسطين سيراً على الأقدام.

ونجح الإخوان في التسلل عبر الحدود واستطاعوا أن يحملوا لواء الجهاد الشعبي ونجحوا في إدخال عدد كبير من خيرة شبابهم من مصر وسوريا وشرق الأردن.

ففي الوقت الذي كانت فيه القوة الأولى ترابط في النقب كانت القوة الثانية بقيادة الأخ الأستاذ المجاهد محمود عبده شفاه الله وعافاه تنتقل إلى معسكر (قطنة) بسوريا وتلحق بها قوة كبيرة من الإخوان المسلمين في شرق الأردن وكذلك تلحق بهم قوة من إخوان سوريا بقيادة (الشيخ مصطفى السباعي) رئيس الإخوان المسلمين في سوريا.

وعندما قَبل العرب الهدنة، التي كانت في حقيقتها خدعة لإلقاء العرب السلاح، واستثمار اليهود الوقت لالتقاط الأنفاس، ومن ثم تعبئة قواتهم، والاستعداد مجدداً للانقضاض على العرب، وقضم أكبر قدر من فلسطين، وحينما ضويق المجاهدون من الإخوان، في الأرض المقدسة، ومنعوا في بلادهم من الالتحاق بإخوانهم المتطوعين هناك، حيث كان يشتد أوار القتال، وحلت جماعتهم في مصر، وجّه الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله خطاباً لرئيس الوزراء، النقراشي باشا، يقول له فيه: "لماذا تقبل الهدنة مع اليهود في فلسطين؟ إن الحرب في فلسطين بين عصابات صهيونية وافدة على أرض فلسطين، ونحن عصابات إسلامية مثلها.

دع العصابات تضرب بعضها، فإن انتصرنا، ففي هذا مجد مصر، وإن متنا، دخلنا الجنة التي زحفنا إلى فلسطين شوقاً إليها.

أتركنا في فلسطين نصارع الصهيونية، وأنت من حقك تحت الضغوط الدولية، أن تقبل الهدنة كما تشاء، ولكن ليس من حقك أن تمنع عصابات عربية أو مسلمة من أن تشتبك مع الصهاينة.

الصهاينة عصابات ليست من فلسطين، ونحن عصابات لسنا من فلسطين. فليضرب الحق الباطل!".

وبهذه المناسبة نذكر أنه بينما كان الإمام الشهيد في جولة يتفقد مواقع المعركة علي أرض فلسطين إذ رأى فتى صغيراً يحمل بندقيته بين يديه وتبدو عليه روح الجهاد والصرامة فسأله الإمام: ما اسمك يا فتى؟.. فقال: قيس.. فقال له مداعباً: وأين ليلاك؟.. فقال: ليلاي في الجنة، فسر الإمام من إجابته ودعا وله بخير.

وزاد من خوف الإنجليز ما أذاعه المرشد العام عن عزمه على إعلان التعبئة الشعبية والجهادالمقدس .. كل هذه الأسباب جعلت بريطانيا وزميلتها الاستعماريتين فرنسا وأمريكا تضغط على النقراشي وتأمره بحل الإخوان المسلمين والتضييق عليهم.

فقامت حكومة النقراشي في مصر بما يرغبه الإنجليز في منع كثير من مجاهدي الإخوان المسلمين إلى دخول فلسطين والجهاد فيها، مما اضطر والحالة هذه بعض الشباب من المجاهدين إلى السير على الأقدام مسافات طويلة حتى دخلوا أرض فلسطين .. وكذلك طلب بعض الإخوان من حكومة النقراشي السماح لهم بالقيام في رحلة علمية إلي سيناء فوافقت حكومة [[النقراشي]ي بعد إلحاح وتسللت تلك المجموعات بعد ذلك إلى فلسطين سراً وكان هذا الفوج في صحراء النقب.

وحينما علمت حكومة النقراشي بذلك طلبت من الإمام الشهيد سحب قواته من النقب ولكن الإمام رفض، فقطعت الحكومة عن مجاهدي الإخوان الإمدادات والتموين وقامت بمراقبة الحدود بشدة.

 

حل الإخوان

ولكن خطة التآمر وصلت ذروتها فاستجاب النقراشي رئيس وزراء مصر لمطالب الاستعمار وحل الجماعة في مصر وقبض علي قياداتها، وأودع السجون والمعتقلات أفرادها .. وصادر أموالهم وسائر ممتلكاتهم، وبالرغم من كل هذه الأحداث الأليمة كان الأستاذ البنا رحمه الله حريصاً على استمرار الجهاد في فلسطين، فأرسل رسالة إلى إخوانه المجاهدين يقول فيها: إن لا شأن للمتطوعين بالحوادث التي تجري في مصر، ما دام في فلسطين يهودي واحد، فإن مهمتهم لم تنته .. ثم يختم رسالته بوصية طويلة للإخوان يوصيهم فيها بالتزام الهدوء وحفظ العلاقات الطيبة مع إخوانهم وزملائهم ضباط الجيش وجنوده المجاهدين.

 

وكان خاتمة المطاف أن قرر خليفة النقراشي في رئاسة الحكومة المصرية إبراهيم عبد الهادي باشا اغتيال الإمام الشهيد وبذلك أسدل الستار الأسود على قضية فلسطين، وسجل الله تعالى بهذا الاغتيال موقف الإمام الشهيد من هذه القضية.

 

ومما يجدر ذكره هنا أن الحكومة المصرية التي كان يرأسها إبراهيم عبد الهادي قد شددت حملاتها في مطاردة الإخوان المسلمين وزجهم في غياهب السجون وأخذت تحيك المؤامرة ضد الأستاذ البنا لقتله والتخلص منه، بينما كان المجاهدون من الإخوان على أرض [[فلسطين]ي قلوبهم تتمزق على ما يجري لإخوانهم على أيدي الطغاة والعملاء.

 

وهنا يبرز سؤال في الأذهان هو: لما وقتُ حل الإخوان في هذه الظروف العصيبة بالنسبة للقضية الفلسطينية؟ .. ولقد أجاب الأستاذ البنا رحمه الله على هذا السؤال فقال: إن رغبة الحكومات العربية في إنهاء قضية فلسطين، وعلى غير ما تريد الشعوب، كان من العوامل التي أوحت للحكومة المصرية بهذا الموقف. (الإخوان المسلمون والمجتمع المصري).

 

ولقد كتب الأستاذ البنا رحمه الله قبل استشهاده مذكرة فند فيها أسباب الاتهامات الباطلة التي انتحلتها الحكومة المصرية آنذاك للكيد للإخوان، وتدبير قرار الحل الغاشم الذي استصدرته وعنون لهذه المذكرة بعنوان: قولٌ فصل.

 

وقد جاء في هذه المذكرة فقرة: من الذي يفعل هذا ويحكم به؟ الحكومة المصرية التي أخفقت في المفاوضات مع الإنجليز فقطعتها وذهبت إلى مجلس الأمن فعادت بخفي حنين، وتركت قضية الوطن على رفوف في زوايا الإهمال والنسيان، وتجاهلت الإنجليز بعد ذلك تجاهلاً تاماً، وتركتهم يفعلون ما يريدون حتى أضاعت بهذا التجاهل السودان، واتبعت سياسية التردد والاضطراب في قضية فلسطين، وقبلت الهدنة الأولى .. فأضاعت بهذا القبول كل شيء وحرمت الجيش المصري الباسل ثمرة انتصاره وأفقد الوطن ملايين الأموال وآلاف الرجال.

 

فضلاً عن فقدان الكرامة وسوء الحال والمال - ودللت يهود مصر فلم تتخذ أي إجراء يتفق مع موقفهم من مناصرة أعداء الوطن الذي يعيش فيها الأجنبي آمناً مطمئناً على نفسه وماله وعبثه وفساده، ويحمي جنودها حانات مسكرات وبيوت العاهرات، ودور المنكرات، وأبواب الرقص والبارات - والتي عجزت كل العجز عن إنقاذ شعبها من براثن الفقر والمرض والجهل، والغلاء الفاحش الذي يأن منه الأقوياء فضلاً عن الضعفاء - والتي لا يؤيدها ولا يساعدها إلا نفرٌ قليل وضئيل من أصحاب المصالح الشخصية فهي في وادٍ والأمة في واد، هذه الحكومة التي تطارد الإخوان المسلمين، وهم الشعب وتحكم عليهم بالإجرام والنفي والتشريد ومصادرة الأموال والأملاك والحريات.

 

ولو أخذت الأمور وضعها الصحيح، وكانت الكلمة للحق لا للقوة، لحاكمناكم يا أيها المفرطون على التفريط ولحاسبناكم على هذا الفجور أشد الحساب، ولكن دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. (حسن البنا مواقف الدعوة والتربية).

 

تقويم الإمام الشهيد للحرب بين العرب واليهود في فلسطين

 

الإمام حسن البنا

تواترت الأخبار من فلسطين بعد دخول الجيوش العربية إليها، بأنها لم تكن جادة في تطهير فلسطين من رجس اليهود، ولم تقدر حقيقة اليهود وقوتهم وعددهم في فلسطين، وأنها جمعت السلاح من معظم المجاهدين من أهل فلسطين وأبعدتهم عن ساحات الجهاد، وهم أحق بها وأهلوها.

 

وأيقن أيضاً رحمه الله التآمر العالمي على أهل فلسطين وقضيتهم، وتأكد لديه غدر بريطانيا وخيانتها لهذا الشعب المسلم سليم النية والطوية، وظهر له وللجميع أن الضابط الإنجليزي كلوب باشا قائد الجيش الأردني قد أصبح هو بالفعل القائد العام للجيوش العربية التي دخلت فلسطين، وكشف هو وغيره السلاح الفاسد الذي زود به الجيش المصري.

 

لقد اجتمعت هذه الأدلة للأستاذ البنا، فأدرك طبيعة المؤامرة على أهل فلسطين وعلى المتطوعين المجاهدين من الإخوان المسلمين، وأن هذه الجهود تضيع سدى لأن الإسلام مستبعد عن الحكم والسياسة.

 

لقد وصلت للإمام الشهيد رسالة عن بطولات الإخوان المجاهدين في فلسطين، وعن بعض الذين استشهدوا فدمعت عينه، وتقلص فكاه وبكى وقال: لهم الله هؤلاء الأبرار .. لهم الله في إيمانهم وجهادهم .. لهم الله فيما هم فيه وفيما ينتظرهم، وإن معركتهم الكبرى لا تزال أمامهم مع الفجرة من حكامهم الذين يخشونهم أشد من خشيتهم لليهود، مع الذين لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، مع فاروق وجيش فاروق وبوليس فاروق، وتلامذة مناهج الاستعمار جميعاً، إن هذا الدم العزيز المسفوح لن نجني له ثمرةً ما دامت هذه الأوضاع الفاسدة، وما دام الإسلام غريباً في ديار المسلمين، إنهم يبذلون دمهم في سبيل الله في معركة زمامها بأيدي قوم لا يبالون بالإسلام، ولا يبالون أن يتخذوا إلى الله سبيلاً .. إنهم غرباء .. غرباء .. غرباء .. ولا أحسب أن غربتهم ستطول.

 

إن إسرائيل ستقوم لأن حركتها حركة عقيدة رسمت برنامجها واستنفرت قواها، ولم تخشَ في يهوديتها لومة لائم، فأنى لهؤلاء القليل المستضعفين أن يصلحوا، أو حتى أن يستروا ما هو محيط بهم من الفساد والتحليل والخذلان .. إنهم يحاربون ولا ظهر لهم، بل إنهم ليسوا آمن على ظهرهم منهم على خط النار من عدوهم، إنّ الطريق طويل .. طويل رهيب، وهذا الدم العزيز المسفوح لا يعوض .. والمعركة الكبرى، معركة الإسلام التي ربينا لها هذا الشباب لا تزال أمامه، أما إسرائيل فستقوم، وستظل قائمة إلى أن يبطلها الإسلام كما أبطل غيرها.

 

ذلك طريقنا الذي لا يجوز أن تفتننا عنه وجوه المعارك والبطولات .. ووالله لولا الإشفاق على مشاعر شبابنا المؤمن المتحمس، ولولا جهالات الناس لأعلنتها صريحة: أننا بعثنا شبابنا للقتال ونحن نعلم مصير المعركة، وأنا أصحاب رسالة ترفض الأمل الكاذب في كل سياسية لا يحكمها الإسلام، وفي كل جهاد لا تحكمه كلمة الله، وإن على شعوبنا أن تميز بين ذوي العقيدة المجاهدين وبين عبث المتحللين من ساسة وعسكريين، وأننا إنما نحتسب هذا الدم العزيز المسفوح إعذاراً إلى الله وتذكيراً لهذه الأمة، إن كانت تنفع الذكرى. (انظر محنة الإسلام ص 11-13 نشرة مستلة من مجلة المسلمون) القاهرة.

 

وبعد ..

 

هكذا كانت قضية فلسطين لدى الإمام الشهيد، في المقام الأول قضية الإسلام وأهل الإسلام، هي كما قال: (قلب أوطاننا وفلذة كبد أرضنا وخلاصة رأسمالنا وحجر الزاوية في جامعتنا ووحدتنا) وعليها (يتوقف عز الإسلام أو خذلانه).

 

وكان الإمام الشهيد يدرك أنها ليست قضية بسيطة، وأن العدو فيها ليس عصابات الإجرام والاغتصاب الصهيونية فحسب، بل هي في حقيقتها معركة كبرى (سوف تجسد الصراع بين قوى الشر والكفر والظلم من أمم الاستعمار الظالمة من ناحية وقوى الخير والعدل والمرحمة من ناحية أخرى).

 

ولم يكن الإمام غافلاً عن حجم المتاعب التي ستأتي من التصدي لهذه القضية يقول: "إن الإخوان المسلمين ليعلمون أن دعوتهم عدوة للاستعمار فهو لها بالمرصاد وعدوة للحكومات الجائرة الظالمة فهي لن تسكت على القائمين بها، وعدوة للمستهترين والمترفين والأدعياء من كل قبيل فهم سيناهضونها".

 

وكان من نتائج هذا التصور الواضح الحاسم أن الإمام الشهيد رفض المحاولات التي طرحت (للتفاوض) أو (للتقسيم) بدءاً من عام 193736/ حتى عام 47/1948 وكان من أول أسباب الرفض أن كل المحاولات تضمنت دعوة (اليهود) وعصاباتهم كطرف في القضية وهذا ما لم يحتمله الإمام ولم يقبله فهم في نظر المسلم الصحيح (نزلاء مغتصبون) والإسلام يحرم إقرار هؤلاء على ظلمهم ويأمر بجهادهم ولو إلى قيام الساعة.

 

فقضية فلسطين يأبى الله إلا أن تكون عربية إسلامية، وتأبى قدسها، ويأبى أقصاها وصخرتها إلا أن تكون قضية سائر العرب والمسلمين .. ولهذا هيأ الله لها حسن البنا ورجاله الأبرار ليخرجوها من الإقليمية التي طالما سعى إليها اليهود ومن وراءهم من دول الاستعمار والاستكبار وليجعلوها في أعناق المسلمين في عنق كل مسلم يفهم إسلامه ويعرف متطلبات إيمانه.

 

 

ويَعتبر الإخوان المسلمون فلسطين جزءاً مهماً من كيان الوطن الإسلامي، وقد أكد الإخوان على ذلك فقالوا: "وما الشعب الفلسطيني إلا أخ لنا فمن قعد عن فلسطين فقد قعد عن الله ورسوله وظاهر على الإسلام، ومن أعانها وبذل لها وأمدها فقد انتصر لله ولرسوله ودافع عن الإسلام".

 

كما يعتقد الإخوان اعتقاداً جازماً بأن فلسطين جزء من العقيدة الإسلامية وأن أرضها وقف إسلامي على جميع أجيال المسلمين في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم إلى يوم القيامة لا يجوز لأحد كائناً من كان أن يفرط أو يتنازل ولو عن جزء صغير منها، فهي ليست ملكاً للفلسطينيين العرب بل هي ملك للمسلمين جميعاً، فعلى المسلمين في كل مكان أن يساهموا عملياً في تقديم المال والدم للدفاع عنها.

 

وختاما يقول الإمام البنا مصوراً مكانة فلسطين في نفوس الإخوان: "وفلسطين تحتل في نفوسنا موضعاً روحياً قدسياً فوق المعنى الوطني المجرد إذ تهب علينا منها نسمات بيت المقدس المباركة، وبركات النبيين والصديقيين والمسيح عليه السلام وكل ذلك ينعش النفوس ويغذي الأرواح".

 

وعلى نفس منهج البنا قال عمر التلمساني عليه رحمة الله: "نحن الذين قلنا وسنظل نقول أن لا وجود لليهود في هذه المنطقة إلا محكومين إنما حاكمين فلا".

 

وموقف الإخوان المسلمين على لسان فضيلة الأستاذ محمد حامد أبو النصر عليه رحمة الله إنما يأتي على نفس النهج .. لا وسيلة لاسترجاع فلسطين .. كل فلسطين .. إلا بالجهاد. . بالدم والسلاح والمال.

 

لقد قال أحد القواد اليهود للأستاذ كامل الشريف - رحمه الله - وهو واحد من مجاهدي الإخوان في فلسطين: "لقد نجحنا في إخراج الشعب الفلسطيني من المعركة وهو الذي مارس قتالنا خلال أعوام طوال، أما أنتم أيها العرب فلن نأبه لكم ولن يصعب علينا إلقاؤكم في البحر متى جاء الوقت المناسب".

 

والحل

لقد أعد أحد المجاهدين الإخوان عدة مذكرات للمسئولين في الجيش المصري نادى فيها بوجوب تجنيد القوة الشعبية الفلسطينية لإرهاق العدو وإرغامه على قتال طويل المدى بواسطة عصابات عربية صغيرة تنتشر في صحارى فلسطين فتدمر الجسور والطرق، وتحرق المصانع والمعامل، وتغير على المستعمرات الزراعية.

 

إن الوسيلة الوحيدة لإرهاق إسرائيل وتدمير قواها، واستنزاف ماء حياتها لن تكون إلا بحرب عصابات يقوم بها الشباب الفلسطيني الناقم المغيظ الذي يتحرق شوقاً لملاقاة أعدائه وتنغيص عيشهم كما نغصوا عليه حياته.

 

هذه أيها القاريء الكريم صورة من ماضي جهاد الفلسطينيين ومن معهم من إخوانهم والمسلمين .. صفحة ناصعة قوية، لو سارت إلي نهايتها لكان النصر المبين، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، وهكذا قام في هذه الآونة أناس يطالبون بتهدئة هذه الانتفاضة المقدسة التي انبعثت من جديد لتزيح العار عن هذه القضية، ولتعطي درساً قاسيا لأعدائها بضرورة الدفاع عن النفس والكرامة والوطن، ويا حبذا لو استفاد العرب من هذا الماضي ولمسوا نتائج المفاوضات والمهادنات والدبلوماسية الكاذبة الخادعة.

 

نقول لو شعر الجميع بهذا الماضي القريب المرير لأعانوا هؤلاء المجاهدين بالمال والرجال والسلاح، ولأعادوا الطريق الكريم الذي سلكه الإمام الشهيد حسن البنا لعودة فلسطين وهو الطريق الوحيد الأمثل الذي يأتي بأطيب الثمرات إن شاء الله تعالى.

 

(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).

 

من وسائل الإخوان في نصرة قضية فلسطين فى عهد الإمام البنا

لم يكن اهتمام الإمام البنا بالقضية الفلسطينية وليدَ الحوادث أو من قبيل المصادفة، بل لقد فطن الإمام البنا إلى الأخطار الصهيونية المُحدِقة بفلسطين مذ كان يافعًا؛ حيث كتب في نهاية العشرينيات من القرن الماضي - وهو لم يتجاوز بعد الثالثة والعشرين - في مجلة "الفتح" التي كان يصدرها الشيخ محب الدين الخطيب مقالاً ينبه فيه إلى الخطر الصهيوني على فلسطين.

 

ثم ضاعف الإمام البنا جهوده بعد تأسيس الجماعة واضطلاعها بمهمة الدعوة الإسلامية، وتفاعل معها ماديًّا وإعلاميًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، بل وعسكريًّا، وأصبحت القضية الفلسطينية في عهد الإمام البنا وحتى الآن من القضايا المركزية عند جماعة الإخوان المسلمين، وبفضل تلك الجهود أصبحت القضية الفلسطينية القضية المركزية للأمة العربية والأمة الإسلامية.

 

وفي عام 1931م أرسل برسالةٍ إلى مفتي فلسطين الحاج محمد أمين الحسيني يُثني على جهوده ومواقفه العظيمة تُجاه القضية الفلسطينية، كما حثَّ أعضاء المؤتمر الإسلامي الأول على العمل بجد لقضية فلسطين فيقول:

 

"حضرة صاحب السماحة السيدمحمد أمين الحسيني مفتي فلسطين الأكبر:

 

نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، ونصلِّي ونسلِّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الذين جاهدوا في الله حق جهاده، ومن تبع هداهم إلى يوم الدين، وبعد ..

 

فإن العالم الإسلامي كله يقدِّر لكم حسن جهادكم، وسديد رأيكم في الدعوة إلى هذا المؤتمر المبارك، وجمعية الإخوان المسلمين بالقاهرة والمحمودية وشبراخيت وبورسعيد والإسماعيلية بالديار المصرية تقدِّم لسيادتكم جزيل شكرها وجميل تقديرها، ونرجو التكرم بعرض هذا البيان على هيئة المؤتمر الموقرة.

 

حضرات السادة المحترمين أعضاء المؤتمر الإسلامي .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

 

يجب أن تقدِّروا هذا تمام التقدير، ويجب أن تثبتوا للأمانة التي أخذتموها على عاتقكم، وهي النظر في خير المسلمين بحكمة وإخلاص، ويجب أن تتصل قلوبكم بقلوب المؤمنين التي تحوطكم، وبأرواحهم التي ترفرف على مؤتمركم، وبآمالهم التي تحوم حولكم، والله من وراء الجميع محيط، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

 

أيها السادة أعضاء المؤتمر:

 

إن الإخلاص أساس النجاح، وإن الله بيده الأمر كله، وإن أسلافكم الكرام لم ينتصروا إلا بقوة إيمانهم وطهارة أرواحهم، وزكاء نفوسهم وإخلاص قلوبهم، وعملهم عن عقيدة واقتناع جعلوا كل شيء وقفًا عليهما حتى اختلطت نفوسهم بعقيدتهم، وعقيدتهم بنفوسهم، فكانوا هم الفكرة، وكانت الفكرة إياهم؛ فإن كنتم كذلك ففكروا والله يلهمكم الرشد والسداد، واعملوا والله يؤيدكم بالمقدرة والنجاح، وإن كان فيكم مريض القلب معلول الغاية مستور المطامع مجروح الماضي فأخرجوه من بينكم، فإنه حاجز للرحمة حائل دون التوفيق.

 

فابدءوا عملكم أيها السادة الكرام بتصحيح الإخلاص وتحقيق النية في العمل؛ يكن صرح عملكم مشيدًا، وأثره خالدًا إن شاء الله تعالى، وإن جمعية الإخوان المسلمين تشارككم فيما تقررون، وتقاسمكم على البعد عبء ما تحملون؛ تبعث إليكم بتحيات أعضائها مشفوعةً بالإجلال لأشخاصكم، والتقدير لعملكم، والإعجاب الكبير لفكرتكم".

 

ثم قدَّم الإمام البنا حلولاً عملية نحو القضية فقال:

 

مقترحات جمعية الإخوان المسلمين:

أولاً: الدفاع عن فلسطين:

 

أمر الدفاع عن فلسطين والمقدسات الإسلامية عامةً أمرٌ يهم المسلمين جميعًا، ولسنا بصدد استعراض أدوار قضية العدوان والدفاع؛ فذلك شيء ألممتم به حضراتكم كل الإلمام، ولكن المهم الآن أن تفكروا في الوسيلة العملية لكف المعتدين وشل حركاتهم في حدود السلم والقوانين.

 

لقد علمنا أن الخُطَب والاحتجاجات لا تُجدي ولا تُسمع، وترى الجمعية أن من واجب المؤتمرين أن يعالجوا:

 

1- مسألة شراء الأرض بفلسطين: إن اليهود يحاربون الفكرة الإسلامية بذهبهم، وإذا تمكنوا من شراء أرض فلسطين صار لهم حق الملكية، فقوي مركزهم، وزاد عددهم، وبتوالي الأيام تأخذ المسألة شكلاً آخرَ، وقد نظَّم اليهود هذه الحركة وجعلوا لها صندوقًا خاصًّا يجمعون فيه الاكتتابات لهذه الغاية.

 

فحبذا لو وُفِّق المؤتمر إلى إيجاد نواةٍ لصندوقٍ ماليٍّ إسلاميٍّ، أو شركةٍ لشراء أرض فلسطين المستغنى عنها، وتنظيم رأس المال وطريق جمع الاكتتابات وسهوم هذه الشركة.. إلخ.

 

والجمعية تكتتب مبدئيًّا في هذه الفكرة بخمسة جنيهاتٍ مصريةٍ ترسلها إذا قرر المؤتمر ذلك على أن تتوالى بعدها الاكتتابات، ولا يضحك حضراتكم هذا التبرع الضئيل؛ فالجمعية تقدِّر الفكرة، وتعلم أنها تحتاج إلى الآلاف من الجنيهات، ولكنها جرأت على ذلك إظهارًا لشدة الرغبة في إبراز الفكرة من حيِّز القول إلى حيِّز العمل.

 

2- تأليف اللجان في كل البلاد الإسلامية للدفاع عن المقدسات: كذلك تقترح الجمعية أن يعالج المؤتمر موضوع تأسيس لجانٍ فرعيةٍ لجمعيةٍ رئيسيةٍ مركزها القدس أو مكة، وغايتها الدفاع عن المقدسات الإسلامية في كل أنحاء الأرض، وتكون هذه اللجان الفرعية كلها مرتبطةً تمام الارتباط بالمركز العام.

 

ثانيًا: لنشر الثقافة الإسلامية:

 

المسلمون الآن فوضى في ثقافتهم، وهذه الفوضى في الثقافة تؤدي إلى فوضى فكرية وتباين في العقائد والأفكار، والمشارب والأخلاق، فإذا دام الحال فسيأتي يومٌ يتنكر فيه المسلم للمسلم من التنافر والتناكر، فلا يفهم أحدهما الآخر، واعتبر ذلك بما تراه بين أبناء المعاهد التي تربي أبناءها تربيةً دينيةً، والتي تربي أبناءها تربيةً يسمونها علمانيةً في البلد الواحد.

 

فليفكر المؤتمرون في الوسائل التي تؤدي إلى توحيد الثقافة الإسلامية وتقريب مسافة الخُلف بين أنواعها، وجعلها مؤسسةً على الفكرة الإسلامية، ونصيرة لها شاملة للتوفيق بين هذه الفكرة وبين الأفكار الحديثة،

 

وترى جمعية الإخوان أن من الوسائل إلى هذه الغاية:

1- إنشاء جامعة فلسطين:

 

على نحو كلية "عليكرة" بالهند تجمع بين العلوم العصرية والعلوم الدينية، وترفرف عليها روح الإسلام وتصطبغ بصبغته، مع احتوائها على الكليات العلمانية في العلوم والآداب، والسياسة والقانون، والتجارة والاقتصاد، والطب والفلسفة، وغير ذلك.

 

2- إنشاء جامعةٍ أخرى: بمكة على هذا النحو؛ حتى ينجح مشروع جامعة القدس إن شاء الله تعالى.

 

3- نداء علماء المسلمين: أن يؤلفوا لجانًا فنيةً لتهذيب الكتب الإسلامية القديمة، وتصنيف كتب جديدة تفي بحالة العصر الجديد، مع التفكير في مناهج التعليم بأنواعه.

 

4- نداء أغنياء المسلمين للاكتتاب: في صحيفةٍ عامةٍ يوميةٍ إسلاميةٍ تصدر في القاهرة، ويكون لها مثيلاتٌ في الحواضر الإسلامية تحمل فكرة القادة الإسلامية إلى الشعوب؛ فإن الصحافة الشرقية تقف من الشئون الإسلامية موقفًا لا يرتاح إليه الضمير.

 

5- العناية بالوعظ والإرشاد: والتفكير في أنجع الوسائل لتخريج الوعاظ.

 

وترى الجمعية أن من أهم الوسائل تربية الوعاظ تربيةً دينيةً عمليةً تكون أشبه بتربية الصوفية المحققين في الجمع بين العلم والعمل، ويكون ذلك بالسعي لدى أولي الأمر في الأقطار الإسلامية لافتتاح أقسام الوعظ، وتعديل مناهجه تعديلاً صالحًا.

 

ثالثًا: لربط الشعوب الشرقية:

 

لا سلاحَ للشرق يُرهب غاصبيه إلا الاتحاد والتكاتف، وقد أدركت أمم المطامع ذلك؛ فهي دائمًا تحول دون هذه الوحدة بمختلف الوسائل، إما بتسميتها تعصبًا، أو بإفهام البسطاء أنها تنافي الوطنية والقومية، وإما بمغالطة الناس بأنها فكرةٌ عتيقةٌ يجب التبرؤ منها، وكل ذلك غير صحيح، فهذه أوروبا تنادي بالوحدة وتنشرها بين أممها، وعصبة الأمم صورةٌ مصغرةٌ لذلك، ولم يقل أحد في الدنيا: إن التفكك والانقسام أفضل من الوحدة والوئام، ولكنها مطامعٌ وأهواءٌ تُلبس الأمر غير حقيقته.

 

فالوحدة ضروريةٌ لحياة الشرق ضرورةَ الهواء والماء والغذاء لحياة الشخص، وترى الجمعية أن من الوسائل التي تؤدي إلى ذلك:

 

1- تقوية رابطة التعارف بين المؤتمرين أنفسهم.

 

2- تأليف لجانٍ لهذا التعارف في كل بلدٍ فيه أجناسٌ مختلفةٌ من الشرقيين، كالقاهرة وبغداد وغيرهما.

 

3- دعوة زعماء الشعوب الشرقية إلى طرح المطامع، وتقدير الموقف الدقيق الذي يحيط بهم في هذه الأيام.

 

رابعًا: للدفاع عن العقيدة الإسلامية:

 

إن أعداء الإسلام من الملاحدة والمبشرين يجدّون في تشويه عقائده، وإدخال الشكوك على أبنائه، ويبتكرون الوسائل المختلفة لذلك، ومن ورائهم أغنياؤهم يمدونهم بالغي، وفي طغيانهم يعمهون.

 

ومن واجب المؤتمر التفكير في أنجع الوسائل لدفع عدوانهم ودرء خطرهم.

 

وترى الجمعية أن من الوسائل الناجحة في ذلك:

 

1- أن ينشر أعضاء المؤتمر فكرة تأليف اللجان التي تتولى تحذير الناس من دسائسهم، والرد عليهم بما يكفهم.

 

2- أن تشجع الجمعيات الإسلامية التي أرصدت نفسها لهذه الغاية.

 

3- أن يعنى الوعاظ بدراسة هذه الناحية ويحذروا الناس منها.

 

مشروعاتٌ إسلاميةٌ أخرى:

1- مشروع سكة الحديد الحجازية.

 

2- مشروع مكتب الاستعلامات الإسلامي.

 

تقترح الجمعية أن يفكر المؤتمر في إنقاذ سكة الحديد الحجازية من اليد الأجنبية، ويعمل على بدء العمل في تنميتها؛ حتى ينتفع المسلمون بها في أقرب فرصةٍ ممكنةٍ.

 

وتقترح كذلك أن يدرس المؤتمر مشروع مكتب الاستعلامات الأوروبي، ويوقف الناس على مبلغ الفائدة التي تعود على المسلمين من ورائه، ثم تجمع الاكتتابات مبدئيًّا له، وتؤلف اللجان التي تقوم بأداء هذه المهمة.

 

وختامًا فالمؤتمر الإسلامي خطوةٌ واسعةٌ في طريق الإصلاح المنشود للإسلام والمسلمين، ترجو الجمعية أن يكون لها أثرها، وأن يتجدد انعقاد المؤتمر بعد مدةٍ معلومةٍ.

 

ولتثقوا أيها السادة بأن العالم الإسلامي من ورائكم يجود بالنفس والمال في سبيل إعادة مجد الإسلام، ووصول الأمم الإسلامية إلى حقوقها المنقوصة مصداق قول الله- تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ... التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ) (التوبة: 111 – 112).

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

نداء

 

الإمام حسن البنا

لم يَكْتَفَ الإمام الشهيد والإخوان بذلك في هذه المرحلة فحسب، بل وجَّه مكتب إرشاد الإخوان المسلمين نداءً إلى شُعَب الجماعة بالقُطْر المصري وإلى الشعوب الإسلامية عامةً وإلى مواطنينا المسيحيين الأعزاء؛ جاء فيه: "أيها الإخوان .. هذا يوم من أيام الله؛ يختبر الله به العزائم، ويبتلي به الهمم، ويمحِّص به الصادقين، ويُظهر فيه قول الله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران: 142).

 

هؤلاء إخوانكم الفلسطينيون البواسل وقفوا صفًّا واحدًا، وقلبًا واحدًا، وكلمة واحدة، وكتلة صامدة؛ يعاهدون الله وإخوانهم ووطنهم ألا يضعوا راية الجهاد إلا مكللةً بالنصر محفوفةً بالفوز، أو يموتوا دون الغاية، وفداء للوطن ومقدساته.

 

أيها الإخوان .. ثمانمائة ألف عربي ما بين مسلم ومسيحي وقفوا يذودون عن المقدسات العزيزة والتراث الخالد، وينوبون عن مسلمي الأرض ومسيحيي الأرض في حفظ المسجد المقدس والدفاع عن فلسطين بلد الذكريات والأنبياء، ويدفعون عنها حيف اليهود وظلم الإنجليز، ويقاومون يد الاستعمار الباطشة الفاتكة، وهم في هذا يقومون بالواجب عنكم، ويحتملون آلام الجهاد دونكم، وأنتم جميعًا آمنون وادعون.

 

أيها الإخوان .. إن وطنكم لا تنتهي حدوده بحدود مصر، بل تمتد إلى كل شبر أرض فيه مسلم يقول: لا إله إلا الله، وإن قلوبكم التي تخفق لمصر وتحنو عليها وتعمل لها بحكم البر بالوطن يجب أن تخفق لفلسطين، وتحنوَ عليها، وتعمل لها بحكم الدين والجوار والإنسانية والوطن أيضًا.

 

لقد وقفتم بالأمس إلى جانب الحبشة موقفًا كريمًا، فقفوا اليوم بجانب فلسطين مثل ذلك الموقف أو أسمى؛ فإن فلسطين ألصق بكم جميعًا وأقرب إليكم جميعًا، وقد وقع عليها من الظلم ما لا يعلم مداه إلا الله.

 

أيها الإخوان .. إخوانكم الفلسطينيون الآن في الميدان يجوعون ويجهدون ويخرجون ويقتلون ويسجنون في سبيل الله وفي سبيل البلد المقدس، وهم إلى الآن في أشرف المواقف يقومون بأمجد الأعمال، ويُبدون من ضروب البسالة ما هو فوق الاحتمال والطاقة؛ فهم قد أعذروا إلى الله وإلى التاريخ، فإذا ضعفت هذه الحركة أو وهنت فأنتم المسئولون عن هذا الضعف وهذا الوهن، وهي جريرةٌ يؤاخذ بها الله أشد المؤاخذة، ويحصيها التاريخ في أسود صحائفه، فانتهزوا الفرصة وقوموا بواجبكم إلى جانب إخوانكم، والله معكم ولن يتركم أعمالكم.

 

وإن مكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين، وقد أقضَّت هذه الحوادث مضجعه في الوقت الذي يهيب فيه بالشعوب العربية مسلمها ومسيحيها أن يمدوا يد المعونة لفلسطين المجاهدة الباسلة؛ يقرر ما يأتي:

 

أولاً: تأليف لجنة مركزية من أعضائه لتلقِّي تبرعات الإخوان وإرسالها إلى اللجنة العربية العليا.

 

ثانيًا: تأليف لجانٍ في شُعَب الإخوان لتلقِّي التبرعات وإرسالها إلى اللجنة المركزية.

 

ثالثًا: شكر الشعب الفلسطيني الباسل على موقفه المشرف وتأييده فيه كل التأييد.

 

رابعًا: إرسال برقية احتجاج إلى المندوب السامي بفلسطين ووزير خارجية إنجلترا وسكرتارية عصبة الأمم.

 

خامسًا: دعوة سمو الأمير عمر طوسون والهيئات العاملة بمصر إلى العمل على مساعدة فلسطين.

 

سادسًا: رجاء لجنة مساعدة الحبشة في أن تحوِّل وجهها شطر فلسطين، وأن تمدَّها بما بقي عندها من أموال.

 

سابعًا: موالاة الكتابة تذكيرًا بالواجب نحو فلسطين، وحث التجار الذين يساعدون اليهود على التضامن مع العرب في مقاطعة المعتدين الغاصبين".

 

ووصل الحال بالإمام البنا أن ناشد الأمير عمر طوسون قال له فيه:

 

"حضرة صاحب السمو الأمير الجليل عمر طوسون:

 

تألفت اللجنة المركزية لمساعدة فلسطين من شباب جمعية الإخوان المسلمين الذين بايعوا الله على التقوى والإيمان والفناء في سبيل إعزاز الدين، وقد تكوَّنت من بينهم اللجان للخطابة في المساجد، وجمع ما يجود به المسلمون، وبث الدعاية الواسعة لنجاح هذا المقصد الجليل.

 

وقد توجَّهنا إلى سموكم بهذا، راجين أن تجد فلسطين الجريحة من بركم وعطفكم - ما وجدته الحبشة - الآسي الرقيق، والبلسم الشافي، ولنا رجاء آخر أن تتفضلوا بصفتكم أحد رئيسي لجنة مساعدة الحبشة بإرسال ما تبقَّى من الأموال التي جُمعت لغرض مساعدة الأحباش إلى اللجنة العربية في فلسطين، وسيجزيكم الله الجزاء الأوفى".

 

ولقد أصدر الإمام البنا بيانًا إلى الأمة المسلمة بأن يجعلوا احتفالهم بالمولد النبوي احتفالاً بيوم ذكرى لفلسطين، وقد جاء فيه:

 

"أيها المسلمون .. ستحتفلون قريبًا بذكرى المولد النبوي الشريف، وما أحراكم أن تذكروا فيه فيما تذكرون من حوادث جسام ابتُلي بها العالم الإسلامي الحالةَ الداميةَ في فلسطين الشهيدة وما آلت إليه بعد جهادٍ استمر عشرين عامًا!، وكيف أنها باتت على شفا التهويد، بعد أن أَعمل فيها الاستعمارُ المسلحُ النارَ والحديدَ.

 

ستذكرون شهداء فيها عُلِّقوا بالعشرات على أعواد المشانق، وبينهم الشيخ الذي جاوز الثمانين .. ستذكرون حرمات الدين المقدسة التي انتُهكَت شرَّ انتهاك .. ستذكرون المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وقد احتله جند الاستعمار يحول فيه بين العبد وربه، ويقطع على المصلِّي تضرعه ودعاءه، ويختلط فيه صوت المؤذن بصلصلة السلاح .. ستذكرون قضاة الشرع الشريف يؤخذون من دور القضاء، ويعتقلون وهم في مجالس الحكم، ثم يرسلون إلى السجون كالمجرمين .. ستذكرون المئات من المعتقلين مكبَّلين بالحديد يستعذبون رنين القيود .. ستذكرون المئات من المجاهدين الذين هُجِّروا بيوتهم وعائلاتهم، وهبُّوا خفافًا وثقالاً يذودون عن شرف الإسلام الرفيع بالدم النجيع، ويدفعون عن الدين والوطن الدنايا بأكرم المنايا، ويحرسون المسجد الأقصى المبارك والأماكن الإسلامية المقدسة بدمائهم وأرواحهم التي بذلوها رخيصةً في سبيل المحافظة على بقائها إسلاميةً عربيةً .. ستذكرون النساء يعتدي عليهن الجند في خدورهن، ويسلب حليّهن من أعناقهن ومعاصمهن، ويقود عددًا منهن إلى ظلمات السجون .. ستذكرون هذا في يوم المولد النبوي الشريف، وأكثر من ذلك مما ابتليت به فلسطين المقدسة من أفانين العذاب، ولكن ما فائدة الذكرى إذا لم يعقبها عمل نافع يصد الأذى ويوقف المعتدي عند حده؟! وما قيمة الأنات التي يصعِّدها المسلمون بكرةً وعشيًّا على الحالة في فلسطين إذا لم يتفاهموا فيما بينهم على طريقةٍ يتبعونها لتخفيف الويلات عن البلاد المقدسة، وشد أزر سكانها المسلمين، وحماتها المجاهدين؟!.

 

إذن فالواجب على المسلمين كافةً أن يجعلوا من يوم المولد النبوي الشريف يومًا لفلسطين؛ يقدمون فيه الاحتجاجات على السياسة الظالمة فيها، ويقيمون صلاة الغائب على شهدائهم في المساجد، ويعقدون الاجتماعات لنصرتهم، ويجمعون الإعانات لتخفيف الويلات عن الألوف من منكوبيهم، وهذا بعض ما يجب على المسلمين نحو فلسطين في مثل هذا اليوم الذي ترتبط ذكرياته الخالدة بتاريخ البلاد المقدسة وأمجادها.

 

هذه صرخة من أعماق القلوب؛ يوجِّهها المركز العام لجمعية الإخوان المسلمين في القُطْر المصري إلى كل مسلم ومسلمة في العالم، بل إلى كل رجل ذي وجدان حي وضمير شريف؛ ليساهم قدر طاقته في يوم المولد النبوي الشريف في إنقاذ فلسطين مما يحيق بها من أذى وبلاء.

 

وعسى أن يُثبت المسلمون في هذا اليوم أنهم بنيانٌ ذو أساس متين، وكتلةٌ واحدة لا يتطرَّق الوهن إلى صفوفها، فيؤكدون للعالم بأسره أن قضية فلسطين هي قضية المسلمين عامةً، وأنهم لا يفرطون بمثقال ذرة من حقوقها (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (ق)".

 

كما أرسل الإمام البنا برسالة إلى سعادة علوبة باشا؛ جاء فيها:

 

"الإخوان المسلمون يؤيدون قرارات اللجنة البرلمانية لإنقاذ فلسطين، وينتظرون عملاً جديًّا وموقفًا حازمًا قويًّا، ويضعون دماءهم وأموالهم وأوقاتهم تحت تصرف اللجنة في سبيل فلسطين العربية المجاهدة".

 

وأرسل أخرى إلى صاحب الغبطة الأنبا يؤنس قال فيها:

 

حضرة صاحب الغبطة الأنبا يؤنس، رئيس لجنة مساعدة الحبشة:

 

بكل احترام يتشرَّف رئيس لجنة مساعدة فلسطين بجمعية الإخوان المسلمين بالقاهرة بأن يرفع إلى غبطتكم هذا الرجاء الحارِّ، يحفزه إليه ما يعهد في غبطتكم من أسمى عواطف الرحمة النبيلة والبر بالإنسانية المعذَّبة، تلك العواطف التي حدت بكم إلى تجشُّم المتاعب في سبيل مساعدة الحبشة.

 

وتعلمون - يا صاحب الغبطة - أن فلسطين الشقيقة العزيزة، مهدُ الشرائع والأنبياء، قد بطشت بها القوة الغاشمة؛ فأسالت دماء أبنائها من المسلمين والمسيحيين على السَّواء، وخرَّبت ديارهم، وعطَّلت مصالحهم، وقضَت على موارد أرزاقهم، وإن بيت المقدس هو بيت القصيد من هذا العدوان الصارخ، ويحاول اليهود بكل عملهم هذا أن يستولوا عليه وعلى غيره من الأماكن المقدسة التي أجمع المسلمون والمسيحيون على تقديسها وإكبارها والذَّود عنها.

 

ونحن في مصر - مع الأسف الشديد - لا نملك إلا أن نقدِّم ما تسخو به الأكفُّ من مال لمساعدة هؤلاء الأبطال الذين ألمَّت بهم الفاقة، حتى إن لجنة التموين والإغاثة (التموين) بالقدس وحدها تصرف يوميًّا (140) مائة وأربعين قنطارًا من الدقيق لإطعام الجائعين، وذلك عدا ما يصرفه غيرها من اللجان الكثيرة.

 

ومن أجل ذلك توجَّهنا إلى غبطتكم راجين أن تشملوا هؤلاء المجاهدين الأبطال بعطفكم الأبوي، فتأمروا بإمداد أبناء فلسطين ما تبقَّى من أموال لجنة مساعدة الأحباش إلى اللجنة العربية العليا بالقدس، ونعتقد أن حضرات أعضاء اللجنة الكرام يسرُّهم أن يحقِّقوا هذا الرجاء؛ فيكونوا بذلك قد قاموا بخدمة الجارتَين العزيزَتَين في وقت واحد، وفي محنة متشابهة، وإن رأيتم فضلاً عن ذلك أن تتكرَّموا بدعوة المحسنين من المصريين بالتبرُّع لهذا الغرض النبيل فهو العهد بكم، والمأمول فيكم، وكان لكم الشكر مضاعفًا.

 

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

 

كان هذا بعض ما تضمنته أحاديث ومقالات الإمام الشهيد حسن البنا، ومن خلالها يظهر مدى سيطرة قضية فلسطين على خوالج وقلب الإمام الشهيد والتي دفعته إلى الحديث عنها في كل أوقاته، في الوقت الذي تخلَّى فيه زعماء الأمة وملوكها عن هذه القضية، معتبرين أن ذلك شأن داخلي يقوم به أبناء فلسطين.

 

الإمام البنا يفتح باب التطوع للجهاد فى فلسطين 1948م

عندما أعلن الإمام الشهيد حسن البنا عن فتح بقاب التطوع لسفر المجاهدين إلى فلسطين سنة 1948م حدد أسبقية التطوع بالشروط الآتية:

 

1- أن يكون شابا غير متزوج.

 

2- ألا يكون مسئولا عن كفالة أسرة.

 

3- ألا يقبل من الأسرة غير فردا واحدا.

 

وقد تقدم للتطوع الشقيقان عبد السميع علي قنديل وعبد المنعم علي قـنديل من قرية أولاد علام - جيزة - وعندما عرض الأمر على الإمام الشهيد قال لهم: اتفقا على سفر واحد منكما حتى نسمح له بالتطوع فاختلف الشقيقان وتمسك كل منهما بحقه فى التطوع فطلب منهما إحضار والدهما ليختار واحدا منهما.

 

فحضر الوالد علي قنديل وكان يعمل ساعيا بالمتحف الزراعي بالدقي فلم يستطع إقناع أحدهما بالتنازل ثم توسل للإمام الشهيد وألح عليه في قبولهما للسفر للجهاد في سبيل الله لأنه لا يريد أن يكسر بخاطر مجاهد ولا يحب حرمان أي منهما من تحقيق أمنيته في الاستشهاد .. وأمام توسل الرجل وإلحاحه ورغبة ابنيه الصادقة وافق الإمام على سفرهما معا استثناء من القاعدة وكانت أولى المعارك دير البلح استشهد فيها من شباب الإخوان ثلاثة عشر مجاهدا كان من بينهم الشهيد عبد السميع علي قنديل ولمسئوليتي عن المنطقة بلغت تليفونيا بمقابلة الإمام الشهيد للذهاب لتقديم العزاء للأسرة وقبل وصولنا لمنزل الشهيد لقينا والده الحاج علي قنديل بالتهليل والتكبير والترحيب والدعاء للمرشد الذي أتاح الفرصة لأسرته ليكون منها شهيدا في سبيل الله.

 

وقال لفضيلة المرشد:

 

لقد شرفتنا ورفعت رأسنا عاليا وجعلت لنا شأنا رفع الله شأنك ونصر الإسلام بك وبإخوانك وجزاك عنا خير ما يجزي قائد عن جنوده .. وما إن وصلنا المنزل حتى قوبلنا بالتهليل والتكبير من الرجال والزغاريد من النساء وكان واضحا البشر والفرح على كل الوجوه مع الدعاء للمرشد والإخوان والنصر للإسلام .. وبعد أن هدأت عاصفة الاستقبال وتناولنا الشربات أمرني فضيلة المرشد باستدعاء الأخ عبد المنعم علي قنديل من جبهة القتال وكفى العائلة بشهيد واحد منهم فصاح الأخ علي قنديل : أرجوك يا فضيلة المرشد دعه فى الميدان فإن استشهد لحق بأخيه وازددنا شرفا وقربا إلى الله وإن كان له أجل يظل يحاسبنا طول حياته على حرمانه من الشهادة بطلب عودته وألح الوالد على بقاء ابنه عبد المنعم فى المعركة ليلحق بشقيقه الشهيد عبد السميع .. هكذا كانت روح الجهاد والاستشهاد سارية فى الإخوان وأسرهم وكانوا صادقين فى ندائهم (.. والجهاد سبيلنا والموت فى سبيل الله أسمى أمانينا)، وقد لفت صدق جهادهم نظر اليهود وأعداء الإسلام من هذا التاريخ وتوالت عليهم المحن فما ضعفوا ولا وهنوا وظلوا متمسكين بشعارهم (الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت فى سبيل الله أسمى أمانينا)، واستمرت المحن فزادت الإخوان صلابة وتدرجت المحن من صعب إلى أصعب حتى أصبحت أصلا من أصول الدعوة فى سبيل الله .. هذا هو الشعار وهذه هي المبادىء .. والله غالب على أمره وما النصر إلا من عند الله.

 

من ذكريات المهندس حلمي عبد المجيد

 

"البنا" شهيد يرثي الشهداء السابقين

حين استشهدت أول مجموعة من الإخوان المجاهدين في فلسطين، كانت للأستاذ "البنا" هذه الكلمة المشرقة في حفل تأبينهم وفي رثائهم:

 

من وحي الشهداء .. وجهًا لوجه

 

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران: 142).

 

أمام حقائق الدعاية وجهًا لوجه لابد من امتحانٍ لحقيقة إيمان المؤمنين، ودعوى الإيمان وحدها لا تكفي في قليل أو كثير، (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) (البقرة:8) وهذا ناموس من الله الذي لا يتغير، وسنته التي لا تتخلف، (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد:31).

 

وهؤلاء المؤمنون هم الذين يستطيعون أن يتمثلوا معنى الإيمان، ويحسنوا التعبير عنه لأنفسهم وللناس، ومن هؤلاء من يصدق فيه معنى الإيمان حتى يتذوق حلاوته ويجد طعمه، ويستشعر برده على فؤاده، كما يحس بحرارته ودفئه ونوره وإشراقه، ولكن هذا كله لا يكفي، حتى يقف المرء وجهًا لوجه أمام حقائق الإيمان العملية، وأوضح هذه الحقائق: ما اتصل بالجهاد والشهادة والموت في سبيل الله، والعزوف عن متع الحياة الدنيا؛ إيثارًا لما عند الله.

 

وهؤلاء الشهداء الاثنى عشر، ومن قبلهم الشهيد العزيز السيد الأخ "حسين الحلوس" الذي اختاره الله لجواره في حادث انقلاب سيارة المؤن والمهمات بسيناء .. قد أوقفونا نحن الإخوان وأوقفوا أسرهم الكريمة، وأوقفوا الأمة المصرية كلها أمام حقائق الإيمان وجهًا لوجه.

 

إن من حقائق الإيمان الأولى أن الموت حق، وأن الأجل محتوم، وأن العمر واحد، لا ينقص ولا يزيد (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف:34) وأن الجبن لن يؤخر الوفاة، وأن الشجاعة لن تُدني الموت، وأن قدر الله من وراء ذلك كله، ولا رادَّ لقضائه ولا معقب لحكمه (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) (النساء: 78) (الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (آل عمران:168)، ولن يستطيعوا أن يدرأوا طبعًا، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره.

 

ومن حقائق الإيمان الأولى أن الله تبارك وتعالى كتب على المؤمنين كتابًا لازمًا، فريضة محكمة أن يقاتلوا في سبيل الحق، وأن يدافعوا، وأن يجاهدوا في سبيل الله تعالى، حتى تعلوَ كلمته وترفع رايته، وأنَّ مَن نكص عن ذلك فله عذابٌ أليمٌ في الدنيا بالصغار، وفي الآخرة بالجحيم والنار (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (البقرة:216) (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 111).

 

ومن حقائق الإيمان الأولى أن مَن مات في سبيل الله أو قُتل مجاهدًا فهو شهيد، حي يرزق عند الله تبارك وتعالى، وأنه لا يجد من الموت إلا كما يجد الإنسان الحي الحساس من قرصة نملة فإنه لا يفتن في موته، وأنه يبعث يوم القيامة بكلْمه وجروحه ودمائه الطاهرة الزكية، اللون لون الدم والريح ريح المسك، وأن له عند الله تبارك وتعالى من المثوبة والأجر أفضل مما عند الله لسائر الذين ماتوا بغير شهادة (لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا* دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (النساء: 95).

 

الملوك والزعماء يشهدون ببسالة الإخوان في فلسطين

بقلم: عبدالحليم الكناني

 

هذه عينة مختارة من الشهادات التي أجمعت فيها الأمة على الاعتراف بالدور البطولي الرائع لمجاهدي الإخوان المسلمين في نصرة فلسطين، ومن الغريب أنه رغم هذا التاريخ الناصع لدعوة الإخوان المسلمين يزعُم البعض - دون دليل أو برهان - أن الإخوان لم يقدموا شيئًا لفلسطين، وليست لهم أية مساهمة في نصرة شعبها المجاهد.

 

أولاً: شهادة الأمير فيصل بن عبد العزيز آل سعود - جلالة ملك السعودية فيما بعد

 

نشرت مجلة (الدعوة) القاهرية بعددها رقم 4 بتاريخ 195130/2/ ما نصه: حضر مندوب الدعوة المؤتمر الصحفي، الذي دُعي إليه صاحب السمو الملكي الأمير فيصل - وزير خارجية المملكة العربية السعودية - بدار المفوضية بالقاهرة في مساء يوم الجمعة الماضي، وقد انتهز مندوب الدعوة هذه الفرصة، وسأل الأمير فيصل عن رأيه في المجاهدين من الإخوان في حرب فلسطين، وقد لاحظ المندوب أثر المفاجأة على وجه سموه؛ لأنه في الواقع كان لا يتصور أن يوجَّه إليه مثل هذا السؤال، ورغم هذا ابتسم الأمير،

 

وأجاب على سؤال مندوبنا قائلاً: "ماذا تريد يا أخي مني أن أقوله عن أبطال جاهدوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله، أما يكفيك وعد الله لهم: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت: 69)، ولقد سمعنا أخي عن جهادهم وما قاموا به من دور البطولة التي لم نسمع عنها إلا في صدر الدعوة الأولى".

 

ثانيًا: شهادة الملك عبد الله - ملك الأردن

 

في حديثه مع الصحفي المصري زكريا لطفي جمعة دار الآتي: "هل تقول لي أين حارب جيشكم؟! عفوًا.. بل جيش فاروق في عام 1948؟! لقد دخلتم غزة وهي مدينة عربية ليس فيها أي يهودي واحد، ثم وفقتم عند مجدل عسقلان حتى جاء اليهود وأخذوها منكم، وجعلتم من قائد جيشكم الضبع الأسود أسطورةً عسكريةً، بينما هو لم يدخل معركة واحدة، ولم ينتصر على اليهود في اشتباك واحد، ولولا الأعمال الفدائية للإخوان المسلمين بجوار الخليل وبيت لحم لكان سجِلُّ فاروق في حرب فلسطين لا يشرفه كثيرًا" (مذكرات الزعماء والسياسيين: عبد العظيم رمضان، ص 304).

 

ثالثًا: شهادة الحاج أمين الحسيني - مفتي فلسطين

 

وأمام المحكمة التي كانت تحاكم الإخوان المسلمين في قضية السيارة الجيب وقف الشيخ أمين الحسيني - مفتي فلسطين - ليدلي بالشهادة التالية:

 

س: هل كان لجماعة الإخوان المسلمين حركة مشاركة في حرب فلسطين؟

 

ج: نعم .. كان للإخوان المسلمين حركة مشاركة في حرب فلسطين منذ البدء، وقاموا بدعاية لها، ثم شاركوا بأنفسهم في سنة 1936م أثناء الجهاد هناك، وجمعوا أسلحةً وذخيرةً، وذهب فريق منهم إلى الجهاد هناك، واستمروا على ذلك يعنون بالقضية ويخدمونها بأنفسهم وبجهودهم حتى النهاية.

 

س: هل كان بعض رجال الهيئة العربية - كالمرحوم عبد القادر الحسيني أو غيره - يستعينون ببعض الإخوان في جمع الأسلحة وشرائها؟

 

ج: نعم .. كان عبد القادر الحسيني بك وغيره يستعينون بالإخوان المسلمين في شراء الأسلحة والذخيرة، ويدفعون ثمن هذه الأسلحة.

 

س: هل كان الإخوان المسلمون في أول جهادهم على صلة بعبد القادر الحسيني بك قبل دخول الجيوش النظامية؟

 

ج: نعم .. كان لهم صلة، وحارب فريق منهم معه، وبعضهم استشهد في معركة القسطل.

 

س: وهل استمروا يجاهدون بعد دخول الجيوش العربية؟

 

ج: نعم.

(قضية السيارة الجيب- أقوال كبار الشهود- حقيقة النظام الخاص ص 172 – 179).

وفي شهادة أخرى يقول: "لقد كان للشيخحسن البنا وأتباعه ومريديه في نصرة فلسطين والدفاع عنها جهود مشكورة وأعمال مبرورة، كلها مآثر ومفاخر، سجلها لهم التاريخ بحروف من نور، وقد بذلوا على ثرى فلسطين مع إخوانهم المجاهدين من أبناء الأمة العربية والإسلامية دماءً زكيةً، ومهجًا غالية، واستشهد منهم عصبة كريمة كانت من الرعيل الأول الذين نفروا خفافًا وثقالاً لنجدة فلسطين، وسلكوا الطريق الذي سلكه المجاهد الكبير الشهيد أحمد عبد العزيز وصحبه الأبطال الأحرار، وكان ثباتهم في مقارعة العدو ومقاومته واستماتتهم في صد عاديته مضرب المثل في قوة الشكيمة ومضاء العزيمة، فكانوا كما قال الله تعالى في وصف عباده المؤمنين المجاهدين المخلصين .. (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب: 23) (مجلة الدعوة القاهرية- بتاريخ 195113/12/م).

رابعًا: شهادة اللواء محمد نجيب- أول رئيس لجمهورية مصر العربية

وقف الرئيس نجيب على قبر الشهيدحسن البنا يوم 195313/2/م وراح يقول: "ولست أنسى - ما حييت - هذا الشباب المؤمن القوي في معارك فلسطين، يقتحم على العدو أقوى الحصون، ويسلك في قتاله أعصى السبل، ويتربص بقواته وجحافله كل طريق، ويحتمل في ذلك من المشاق والصعاب وما لا يستطيع احتماله إلا من امتلأت نفسه بعظمة الأحد الخالد، ووجد قلبه حلاوة الإيمان" (مجلة الدعوة المصرية).

خامسًا: شهادة السياسي المصري الكبير "فتحي رضوان" - الحزب الوطني

من بيان للجنة العليا للحزب الوطني بمناسبة حل الإخوان: "إن النقراشي باشا الحاكم العسكري في فترة الحرب مع الصهاينة هو الذي يحل هيئة الإخوان المسلمين الذين حاربوا في فلسطين ضد الصهاينة كأشجع وأقوى ما يكون المحاربون". (من قتل حسن البنا - محسن محمد - ص 424).

سادسًا: شهادة مكرم عبيد باشا - زعيم حزب الكتلة السعدية

في صحيفة الكتلة الصادرة في 19493/9/م أرسل رسالةً مفتوحة للحاكم العسكري المصري آنذاك قال فيها:

"مائة وأربعة من متطوعة الإخوان المسلمين المنضمين إلى قوات الجامعة العربية لإنقاذ فلسطين دخلوا أرض الميعاد قبل دخول الجيوش العربية ببضعة أشهر، تولَّوا خلالها حماية كل شبر من قرى العرب وأراضيهم في جبهة تمتد شمالاً من رفح إلى المجدل؛ أي أكثر من سبعين كيلو مترًا حتى إذا وثبت جيوشنا البواسل كانوا هم الفدائيين في المقدمة .. سَلْ قادة الجيوش وحماة القدس مَن حمل لأبطال الفالوجا المؤن والإمداد وهم محاصرون غير هؤلاء؟! وكان اليهود يطلقون عليهم شياطين النقب".

سابعاً: شهادة الأستاذ أحمد حسين - رئيس حزب مصر الفتاة

من برقية له لأسرة المستشار حسن الهضيبي - المرشد العام للإخوان المسلمين بعد الإمام البنا -: "لقد سألني صحفي قال إنه سينشر حديثي في مجلة (الجديد).. سألني: ما رأيك في دور الإخوان المسلمين في معركة فلسطين؟ فأجبته بأنه كان أعظم الأدوار، حتى لقد كانوا هم الذين أنقذوا الجيش المصري من الوقوع في كارثة عندما حموا مؤخرته وهو يتراجع". (الهضيبي .. الإمام الممتحن - جابر رزق - ص 143).

ثامنًا: شهادة د. محمد حسين هيكل - وزير المعارف وبحزب الأحرار الدستوريين

بحلول نهاية عام 1948م تمت شعبية جماعة الإخوان المسلمين بتأييدها للثورة الفلسطينية، فقد بادر فدائيو الجماعة بالتطوع، معتبرين الحرب بين العرب واليهود حربًا دينية، فاشتركوا فيها، وخاضوا غمارها". (من قتل حسن البنا - محسن محمد - ص 290).

تاسعًا: شهادة د. مصطفى الفقي - مدير مكتب رئيس مصر للمعلومات

"ويردد الإسلاميون في معرض الحديث عن الصراع العربي الإسرائيلي (الصهيوني) حقيقة تاريخية؛ هي أن طلائع المتطوعين من الإخوان المسلمين بادرت قبل غيرها بالمشاركة الفعلية في أول حرب عربية صهيونية عام 1948، مؤكدين بذلك أن إسهامهم القومي يأتي تلقائيًّا من خلال رؤية إسلامية". (تجديد الفكر العربي، ص: 16).

"دخلت الجيوش العربية كما تعلمون إلى فلسطين سنة 1948م، وسبقتها مجموعات من فدائيي ومتطوعي الدول، وفي مقدمتهم الإخوان المسلمين في مصر". (تجديد الفكري العربي- ص: 94).

"إن للتيار الإسلامي ولجماعة الإخوان المسلمين في تاريخهم بعض النقاط التي تحسب لهم، فهم الذين بادروا للمشاركة في الحرب الفلسطينية الأولى عام 1948م، وكان الفدائيون أثناء الحرب من الإخوان المسلمين". (مجلة منبر الإسلام، إبريل 1990، ص: 52).

عاشرًا: شهادة منيف الرزاز - القيادي بحزب البعث العراقي

"لا يمكن أن نتصور أن هناك حركة دينية إسلامية حقيقية ومنصفة، تقبل أن تقف موقف المهادن من الإمبريالية والعدو الصهيوني .. وفي الواقع فإننا نجد في تراث الحركات الدينية كحركة حسن البنا نضالاً شديدًا ضد الصهيونية في فلسطين وضد الإنجليز فيقناة السويس". (مجلة الدستور بتاريخ 7/1/1979م؛ وانظر الحركة الإسلامية وقضية فلسطين، زياد أبوغنيمة، ص: 132).

أضف تعليقك