• الصلاة القادمة

    الفجر 11:45

 
news Image

بقلم.. عز الدين الكومي

عندما قال “توماس إدوارد لورانس”، في كتاب “ثورة الصحراء”، “لقد وضعنا بمهارة مكة فى مواجهة إسطنبول والقومية ضد الإسلام”.. قد لخص سياسة بريطانيا في المنطقة العربية والإسلامية، والتى ما زلنا نعانى منها حتى يومنا هذا. حيث نجحت بريطانيا فى خداع “الشريف حسين” الطامح للسلطة.

فعلى الرغم من أنه كان عضوا في مجلس شورى الدولة العثمانية عام 1893م، وبقي هكذا حتى الانقلاب الكمالي وإعلان الدستور عام 1908م، وبعد إعلان الدستور تم تعيين الشريف حسين أميرا على مكة، فإنه استغل منصبه هذا في تأليب العرب ضد العثمانيين.

وحينما تعرضت ليبيا للغزو الإيطالي أرسلت “جمعية الاتحاد والترقي” برقية إلى الشريف حسين تحثه على إعلان الجهاد ضد إيطاليا.

كما قام عدد من النواب العرب في مجلس “المبعوث العثماني” بإرسال مذكرة إلى الشريف حسين عام 1913م، يعترفون فيها بالرئاسة الدينية للشريف حسين على البلاد العربية.

كما أعلن “طالب النقيب”، والي البصرة، في رسالة للشريف حسين يخبره فيها بأن النواب سيقفون إلى جانبه إذا ما قام بتحرير العرب من ظلم الأتراك.

كما قامت الجمعيات السرية العربية مثل جمعية (العهد) و(العرف الفتاة)، بتقديم ميثاق قومي للشريف حسين، يتضمن وحدة أقطار آسيا العربية واستقلالها عن الدولة العثمانية.

وقد قبل الشريف حسين العرض، وبدأ اتصالاته مع البريطانيين، وأجرى مراسلات مع “السير مكماهون” المندوب السامي البريطاني في القاهرة.

وعلى الرغم من اصطدام المشروع القومى العربي، باتفاقات بين كل من روسيا وبريطانيا وفرنسا في 19/2/1915م من أجل اقتسام الممتلكات العثمانية، التى أسفرت عن اتفاقية سايكس بيكو في 16/5/1916م، والتي نصت على اقتسام الشام والعراق بين فرنسا وبريطانيا، فإن الشريف حسين ويسانده القوميون العرب استمر في مشروعه.

وبالفعل أعلن “الشريف حسين”، في 10/6/1916م، الثورة على الأتراك من مكة، وتلقى دعمًا عسكريًّا وماليًّا من الحلفاء.

وتمكنت الثورة من السيطرة على الحجاز والعقبة وجنوب شرق الأردن، وتقدمت شمالا حتى دخلت دمشق في بداية أكتوبر عام 1918م.

وفى خضم الأحداث وانشغال العرب بالثورة على الأتراك، صدر وعد “بلفور” في 2/11/1917م، الذي نص على وعد من الحكومة البريطانية لدعم ومساندة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وقد اعتبر “الشريف حسين” وعد بلفور بمثابة تراجع بريطانيا عن عهودها التي قطعتها للعرب وتآمر على قضيتهم. فسارعت بريطانيا إلى تطمين العرب، لضمان مساندتهم للحلفاء في الحرب ضد ألمانيا، فأصدر الحلفاء بيانا في 18/11/1918م يؤكد تأييد الحلفاء للأماني العربية في الاستقلال والتحرر.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، دُعي “الشريف حسين” للمشاركة في مؤتمر الصلح في باريس عام 1919م، فأرسل وفدا برئاسة ابنه “الأمير فيصل” وكذلك في مؤتمر “سان ريمو” في 18 /4/1920م، وتم وضع العراق وشرقي الأردن وفلسطين تحت الانتداب البريطاني، ووضعت سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، وتم إفشال محاولة “الأمير فيصل” بإنشاء مملكة عربية مستقلة في بلاد الشام.

وفى 2/11/1916م، بويع الشريف حسين ملكا على مكة، وتلقب بملك العرب، لكن الحلفاء لم يعترفوا به إلا ملكا على الحجاز، ولكن في يوليو 1920م زحفت القوات الفرنسية وفرضت سيطرتها على سوريا.

وفي 12-14/3/1920م، قرر وزير المستعمرات ونستون تشرشل، ترشيح الأمير “فيصل بن الحسين” لعرش العراق والأمير “عبد الله بن الحسين” على حكم شرق الأردن.

ولكن هذه التسوية لم ترض “الشريف حسين”، وشعر أن بريطانيا والحلفاء قد خذلوه وخدعوه ولم يفوا بعهودهم له، لذلك رفض معاهدة فرساي 8/6/1919م مع ألمانيا، ومعاهدة سيفر 10/8/1920م مع تركيا، ثم قامت بريطانيا بدعم “عبد العزيز آل سعود”، سلطان نجد الذى تقدم بقواته صوب الحجاز في شهر أغسطس 1924م.

واضطر الشريف حسين إلى أن يتنازل عن العرش لابنه الأكبر الأمير “علي”، لكن القوات السعودية لم تمهله، فاستولت على مكة في 13/10/1924م، وهرب الأمير عليّ إلى “جدة”، ومنها إلى العراق، وبقى بجوار أخيه الملك “فيصل” حتى مات عام 1935م. وبذلك طويت صفحة حكم الشريف حسين مع خيانته لدولة الخلافة، ليخلفه فى لعب نفس الدور آل سعود برعاية بريطانية.

وفى عام 1924م، نفت بريطانيا “الشريف حسين” إلى جزيرة قبرص، ليبقى ذليلا مهانًا في منفاه، وبقى في المنفى حتى مرض عام 1931م فانتقل إلى عمان، ومات ودفن في حرم المسجد الأقصى في عام 1931م.

ومن ثم خضعت البلاد العربية للاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي والإسباني، ويا ليت الشريف حسين كان حصيفًا مثل المعتمد بن عباد، الذى قال بعزة المسلم: لأن أرعى الإبل عند ابن تاشفين خير لي من أن أرعى الخنازير عند الفونسو!.

ووضعت الحواجز الوهمية فى بلاد المسلمين، بعدما كانوا يعيشون فى بلد واحد، حيث لا حدود ولا جوازات تحول بين المسلم وأخيه المسلم!.

وبعد إلغاء الخلافة الإسلامية، تعهدت تركيا بإخماد كل حركة يقوم بها أنصار الخلافة والدعوة الإسلامية، وأن تقطع صلتها بالإسلام، وأقام “أتاتورك” أول جمهورية علمانية في العالم الإسلامي، وأتى بحجاب المرأة المسلمة فمزقه في الميدان أمام الناس، وداسه بقدمه، وأتى إلى المصحف وهو يلقي خطبة أمام الجماهير وأمام الضباط، فمزق المصحف ثم داسه بحذائه- عليه من الله ما يستحق- وألغى المدارس والمساجد واللغة العربية، وأوقف الأذان.

وتم فرض العلمانية التي تدعو إلى فصل الدين عن الحياة في ديار المسلمين، وظهر الإلحاد والإباحية، ومذاهب تدعو صراحة إلى أنّ الإله ليس خرافة فحسب، ولكنه خرافة ضارة.

وهيمنت الأفكار القومية، التي تدعو إلى الوحدة العربية بعيدا عن الإسلام، ونشأت في العالم العربي أحزاب وشعارات الاشتراكية والبعثية والقومية والشيوعية، وقد ضللت هذه الأحزاب أجيالا من المسلمين وخدعتهم بباطلها وأبعدتهم عن إسلامهم.

وها هم العرب، وبعد قرابة قرن من الزمان، يعيشون كالريشة فى مهب الريح، يجرون وراء كل ناعق، ويزحفون خلف كل راية، فى ظل سيطرة أحفاد “لورانس”، وأحفاد “الشريف حسين” و”آل سعود”، وحكام دويلات سايكس بيكو، ومع خلافاتهم فى كل شيء غير أنهم اتفقوا على عدائهم التاريخى لتركيا، العائدة لدينها وشريعتها وتحررها من ربقة التبعية للغرب.

أضف تعليقك