• الصلاة القادمة

    الظهر 18:13

 
news Image

بقلم الكاتبة الأردنية: إحسان الفقيه

قال ابن خلكان في كتابه «وفيات الأعيان»: «رمى المتوكل عصفوراً فأخطأه، فقال ابن حمدون (أحد ندمائه): أحسنت يا أمير المؤمنين، قال: أتهزأ بي؟ كيف أحسنت؟ قال: إلى العصفور يا مولاي». ويبدو أنه قد اقتبست منها فكاهة عن بعض علماء الدين في بلد إسلامي، حيث كان الرئيس بصحبة حاكميْن في رحلة صيد، يرافقهم الشيخ الكبير، الذي كان يُكبّر كلما أصاب أحد الرؤساء هدفه، فلما أخطأ زعيمه الهدف، لم يجد بُدًّا من أن يقول: الله أكبر، تطير وهي ميتة.

ما أبشع صناعة الاستبداد عندما يكون مصدره الذين تضلّعوا في علم الكتاب والسنة وأستأمنهم الناس على دينهم، أولئك الذين جعلوا من أنفسهم وعلمهم سيفا مسلطا على خصوم أوليائهم من الحكام المستبدين، يبررون جرائمهم، ويروجون لسياساتهم، هؤلاء قال عنهم أحد الدعاة الأدباء: «قاطع الطريق أقرب إلى الله، وأحب إلى الناس من آكل الدنيا بالدين».

ولا يزال ولي العهد السعودي مستمرًا في تنقيح صفوف المشايخ والدُعاة في المملكة، ولم يعد خافيًا أنه لا يسمح بوجودهم إلا في خندقه، أو يصبحوا وراء القضبان، يختصر الطريق إلى تغريب بلاده والزج بها في مسار العولمة بقمع وإقصاء كل ذي رأي معارض، ومن أجل إتمام المهمة يوظف دعاته لخدمة سياساته وتبرير جرائمه.

اللافت للانتباه، أن دعاة بن سلمان لم يُستخدموا فقط في تعبئة الناس للتمسك بطاعة ولي الأمر، وإلباس سياساته الداخلية المُخرّبة ثوب التنوير والإصلاح، بل صاروا محللين سياسيين، يظهرون على القنوات للحديث في شؤون الدول والزعماء، فرأيناهم يصبون جام سخطهم على أردوغان وسياساته، وإبرازه كعدو مبين للسعودية وأهلها.

بالأمس القريب كان الداعية عائض القرني، الذي يعد أحد رموز الصحوة (سابقا)، قد خرج في بعض البرامج يعلن توبته عن ضلاله القديم الذي لم يكتشفه في تلك الآونة، ويعتبر نفسه الآن، سيفًا من سيوف محمد بن سلمان، ويدعو الناس إلى الإسلام الوسطي المعتدل، الذي يتبناه ولي العهد، وبعد أن خاض في الإخوان، وخاض في تيار الصحوة، وخاض في قطر وقناة الجزيرة، جعل يكيل الاتهامات للرئيس التركي، ولما تمت مواجهته بحديث سابق يمتدح فيه أردوغان ونصرته للمسلمين والقضية الفلسطينية، قال بكل ببساطة أنه خُدع في هذا الرجل، فرماه اليوم بما برأه منه بالأمس. على ما يبدو أن محمد بن سلمان جاء ليزيل الغشاوة من على أعين هؤلاء الدعاة، ويبصرهم بأمور دينهم، ويصحح لهم المفاهيم، فأقبلوا إليه تائبين. ثم ها هو الشيخ البكّاء الذي لطالما أثّر في المشاهدين بكلماته ودموعه معًا، وهو يتحدث في أمور الرقائق وتفسير كلام الرحمن، الداعية صالح المغامسي، قد أخذ على عاتقه إبراز ولي العهد في صورة التقي الورع المُسدَّد، ففي أحد لقاءاته على «روتانا خليجية» يقول إن دولا وجماعات وصحف تواطأت على محاولة التقليل من شأن ولي العهد وهيبته، وأن الله نجاه برباطة جأشه، وبسبب أنه قد يكون ثمة شيء بينه وبين الله. ومؤخرًا خرج المغامسي في مقابلة تلفزيونية على (إم بي سي)، يطيل الحديث عن عداوة أردوغان للسعودية ويسميه بالعدو الصريح للمملكة.
ابتداءً يتجاوز الشيخ ما علّمنا إياه من ترك الحكم على السرائر والنوايا، ويقول عنه: «رجل غريب يحلم أحيانا بشيء ليس له» ويسقط عليه شعر المتنبي:
ومن جهلت نفسه قدره .. يرى الناس منه ما لا يعلم

ويتحدث المغامسي عن أردوغان كأنه يتحدث عن عبد الله بن أُبيّ سلول رأس النفاق في العهد النبوي، فيقول «ظهر أول أمره مُحبا للإسلام وإخوة المسلمين، وهو يعلم أن الشعب التركي تغلب عليه العاطفة الدينية، متعلق كثيرا بأرض الحرمين، فكان يأتي المملكة معتمرًا وزائرا للمسجد النبوي ويطلب من ولاة الأمر فتح باب الحجرة». فهو يخالف ما يعلم الناس إياه، ويقحم نفسه في نوايا أردوغان من أنه يظهر محبة الإسلام والمسلمين، ويستغل العاطفة الدينية لشعبه من أجل أهدافه السياسية، فيزور الحرمين ويدخل الحجرة النبوية ليأخذ (اللقطة)، وأن هذا كان قبيل الانتخابات للتأثير على الشعب، حتى آلت إليه الأمور، ثم استمر في استغلال هذه العاطفة حتى تحقق له تغيير النظام في بلاده إلى النظام الرئاسي.

المغامسي بعد هذا السرد المنظم يبرز ما كان مجهولا له ولقومه من قبل، من أن أردوغان يحقق مكاسبه السياسية عن طريق استغلال الدين، لكن المغامسي نسي أن هذا السمت الإسلامي الذي ظهر به أردوغان جلب عليه ويلات الصراع مع الطوفان العلماني، الذي هيمن لعقود على البلاد، حتى اتهمه الكثيرون بأنه صدامي متعجل. وجهل المغامسي أن هذا الرئيس الذي يتهمه ضمنيا بالنفاق، إسلامي الجذور والنشأة والتربية، وأنه يوم أن كان عمدة إسطنبول عن حزب الرفاه في ظل سطوة الجيش العلماني، دخل السجن بسبب توجهاته الإسلامية تلك، التي كان يجاهر بها رغم سيطرة العلمانية الأتاتوركية على البلاد ممثلة في المؤسسة العسكرية.

ثم اعتبر المغامسي أن أردوغان انكشف عنه الغطاء بعدما حقق أهدافه بالانتقال إلى النظام الرئاسي، ودانت له البلاد، فتنكر للسعودية ولغيرها، مع أن العلاقات بين أردوغان والسعودية كانت في ذلك الوقت متميزة، فلا أدري من أين له هذا الكلام؟ ويصل المغامسي إلى محطة مقتل جمال خاشقجي، الذي يُبرئ من دمه ولي العهد، فيأتي بالأعاجيب في تناوله لموقف تركيا من الجريمة التي وقعت على أرضها، فبكل بساطة يقول إن المملكة قالت للملأ إن العملية كانت خطأً، وإن قتله كان فظاعة، وإنها لا تقر ذلك ولا تقبله، وإن الذين تورطوا في ذلك سوف يحاكمون في القضاء الشرعي، وهذا نقلا وعقلا ينهي الأمر على حد قوله.

ولم يحدثنا الشيخ عن محطات الكذب التي وقعت فيها حكومته، ابتداءً من قول ولي أمره إن خاشقجي غادر السفارة حيا معافى، مرورًا بإعلان وزير الداخلية السعودي أن ما تم تداوله بوجود أوامر بمقتل خاشقجي أكاذيب ومزاعم لا أساس لها من الصحة، وانتهاءً بإعلان السعودية مقتله خلال تشابك بالأيدي مع الأشخاص الذين قابلوه.. المغامسي يتعامل مع قضية خاشقجي على أنها (شجار في الحارة) فلا يسوغ لأردوغان الذي ارتُكبت الجريمة في بلاده، أن يدور بهذا الملف على دول العالم، ويعتبر أن ذلك من الكيد للمملكة وإظهار لعداوتها، وتأجيج للدول (غير المسلمة) على قِبلة الإسلام (السعودية).

وهكذا يستخف المغامسي بدماء مسلم، قد علم يقينا أن زوال الدنيا بأسرها أهون عند الله من دم امرئ مسلم، كل ذلك من أجل عيون سمو ولي العهد، لكنه سِمت الدعاة عندما ينطقون باسم السلطان، وكان الأولى به الصمت إن لم يقل الحق، وليست نفسه أعز من نفوس أولئك الذين صدعوا بالحق أو صمتوا حال عجزهم ولم يُطبّلوا للنظام، أمثال سلمان العودة والحوالي والقرني والعمري وغيرهم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أضف تعليقك