• الصلاة القادمة

    العصر 13:46

 
news Image
منذ ثانيتين

بقلم.. أسامة جويش

الثورة مثل رحلة بالقطار لها طريق واضح ومحطات متعاقبة حتى تصل إلى محطتها النهائية بسلام ونجاح، في خلال هذه الرحلة يجب أن تحذر من انحراف طريق القطار أو التوقف والنزول في محطة خاطئة ولكن أكثر ما يجب الحذر منه أثناء رحلة قطار الثورة هي وصول العسكر لكابينة القيادة لأنك ستصبح أمام خيارين لا ثالث لهما؛ أولهما أن ينحرف العسكر بمسار الرحلة وينتهي الأمر بحادث يودي بأرواح جميع ركاب القطار وثانيهما أن يلقي بك العسكر من القطار لتلقى حتفك وينفرد هو بالقيادة حتى لو لم يبق معه راكب واحد.

في السودان انطلق قطار الثورة في ديسمبر الماضي ووصل إلى محطة مهمة بإجباره الرئيس البشير على التنحي، وهنا ظهر المجلس العسكري الانتقالي ليحتل كابينة القيادة ويبدأ في مسار الانحراف بالقطار عن مساره الصحيح وينتهي الأمر به لإلغاء المفاوضات مع قوى الحرية والتغيير والإعلان عن انتخابات رئاسية في خلال تسعة أشهر تحت إشراف دولي.

ولكن سبق ذلك محطة مهمة إذ اجتاحت قوات من الجيش السوداني مصحوبة بقوى الدعم السريع بقيادة محمد حمدان حميدتي مقر اعتصام القيادة العامة وارتكبت مجزرة راح ضحيتها أكثر من ستين قتيلا حتى الآن مع مشاهد تعذيب لبعض المواطنين العزل أمام المارة.

المشهد عاد بنا للوراء ستة أعوام كاملة، وهذه المرة في الجارة الشمالية للسودان حيث مجزرة اعتصام رابعة العدوية والنهضة التي ارتكبتها قوات الجيش والشرطة في مصر وقتلوا وأحرقوا أكثر من 800 شخص في يوم واحد، وفقا لتقرير هيومان رايتس ووتش. 

في مصر أعلن العسكر منذ اللحظة الأولى أن الجيش هو من حمى الثورة وأنهم لا طمع لهم في السلطة وردد السيسي هذا الخطاب أكثر من مرة في كل خطاباته، ويبدو أن المجلس العسكري في السودان يقرأ من نفس الكتاب الذي سار عليه العسكر في مصر. فقد أعلن حميدتي أكثر من مرة ومن قبله برهان قائد المجلس العسكري أنه لا طمع لهم في السلطة وأنهم يعملون من أجل هدف واحد وهو تسليم السلطة للمدنيين.

ولكن النصيحة هنا للشعب السوداني واجبة فإن استمعتم لمثل هذه الخطابات العاطفية وإن أقسم لكم قادة المجلس العسكري والدعم السريع على احترامهم للمدنية وزهدهم في السلطة فاعلموا يقينا أن ساعة القمع قد حانت، وما هي إلا أيام معدودات وسينتهي كل شيء بشكل دموي لو لم يجد العسكر ما أراد.

المراقب للمشهد المصري بعد ثورة يناير يرى كيف عمل العسكر بشكل جاد على تشويه الثورة ومكوناتها من حركات شبابية وقوى سياسية وأحزاب معارضة من خلال نشر الشائعات واستخدام الاذرع الإعلامية داخل مدينة الإنتاج الإعلامي لتخويف البسطاء من الفوضى والعمل على تضخيم دور الجيش في الحياة السياسية وترويج فكرة أن الجيش بات هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على استقرار البلاد، وكان لهذه الحملة صدى واسع في تقبل الشارع للمجازر التي حدثت بعد الانقلاب العسكري.

وبالنظر إلى السودان لن يكون من الصعب أن تلحظ انتشار بعض العبارات في البيانات الصادرة من المجلس العسكري وقائد قوى الدعم السريع، "فالاعتصامات باتت تشكل خطرا على استقرار البلاد وهناك جهات أجنبية تريد العبث بأمن البلاد، والمعتصمين يتعاونون مع أجهزة استخبارات غربية"، وفي الحقيقة هذه العبارات صالحة للاستخدام العسكري ضد أي ثورة في أي بلد سواء مصر أو السودان. 

مجزرة رابعة لم تأتي فجأة ولكن سبقتها مجموعة من المجازر في مصر كان أبرزها مجزرة الحرس الجمهوري التي راح ضحيتها أكثر من خمسين شخصا وتلتها مجزرة المنصة، التي قتل خلالها أكثر من مائة وخمسين شخصا، وكانت تلك المجازر مقدمة لما سيأتي بعدها، وكان العسكر يعتبرها بمثابة جس نبض لردود الأفعال الداخلية والدولية. 

وعندما لم يجد ردة فعل مقلقة أجهز على الجميع في مجزرتي رابعة والنهضة، وعلى نفس الدرب يسير العسكر في السودان فمجزرة اعتصام القيادة العامة التي راح ضحيتها ستون شخصا، لم تكن المحاولة الأولى لفض الاعتصام في الخرطوم وإنما سبقتها محاولتان قبل ذلك على يد قوات الدعم السريع ولم يجد المجلس العسكري في السودان أي رد فعل مقلق لتحركاته الدموية فبادر بارتكاب المجزرة الأخيرة.

حديث العساكر الدموي لا يأتي دون قوة إقليمية ودعم مالي وسياسي يستند عليه، ففي مصر طالما شكر السيسي دول الخليج وفي مقدمتها السعودية والإمارات ودورهما البارز في دعم النظام العسكري في مصر بمليارات الدولارات ليواجه الثورة المصري بكل مكوناتها. وفي السودان عرف المجلس العسكري من أين تؤكل الكتف، فبادرت قياداته البرهان وحميدتي بزيارات مكوكية لمصر السيسي وسعودية بن سلمان وإمارات بن زايد ثم عادا بوجه غير الذي ذهبا به فتغيرت خطاباتهم وباتت تميل إلى العنف ثم كانت مجزرة الاعتصام؛ تشابه آخر بين عسكر هنا وهناك في التعاطي مع فصائل المعارضة وممثلي الثورة ففي مصر اتبع المجلس العسكري سياسة فرق تسد فكان استفتاء مارس ثم افتراق رفقاء الثورة والخلاف حول البرلمان أم الميدان وتبادلت المعارضة مواقعها بالقرب والبعد عن المجلس العسكري حتى انتهز الفرصة وانقلب عليهم جميعا ثم نكل بجميع من انتمى لثورة يناير.

وفي السودان سارت قوى الحرية والتغيير على ما سارت عليه المعارضة المصرية للأسف فاقتربت من المجلس العسكري وابتعدت عن بقية مكونات الطيف السياسي السوداني فعزلها العسكر عن البقية ثم انقلب عليها الآن وباتت الأوضاع من سيء إلى أسوأ.

في قادم الأيام ستجد قوى الحرية والتغيير نفسها في موقف لا تحسد عليه فقد باتت في مرمى نيران العسكر، وأصبح لزاما عليها أن تبحث عن مخرج شعبي وسياسي عاجل قبل أن يقضي عليها العسكر أثناء محاولاته القضاء على الثورة. 

هكذا إذا لن ينتهي حديث العساكر ما دامت الثورات قائمة وإن كان من درس تتعلمه الشعوب التي تثور فهو "لا تثق أبدا في العسكر ولو شاركوك الثورة في الميادين، ولا تثق أبدا في دول الثورة المضادة فحديث العساكر يكتب في دواوين الحكم في الرياض وأبو ظبي".

أضف تعليقك