• الصلاة القادمة

    الفجر 11:45

 
news Image

بقلم: سامي كمال الدين

كنت أقلّب في أوراقي القديمة بحثاً عن قبس من روح مصر يعوّضني في هذه الغربة الأليمة فعثرت على كنز، حديث أجريته مع الكاتب الكبير نجيب محفوظ، حيث التقيته في بيته، وتحدّثت معه عن الحب والأدب والثورة وطه حسين وهيكل وتوفيق الحكيم، وضحكت فقد تذكرت هدى جمال عبد الناصر، وهي تقول أنها عثرت على ورقة قديمة في دولاب أبيها تقول إن تيران وصنافير سعودية!.

فللكاتب الكبير نجيب محفوظ مكانة مرموقة في سياق الأدب العربي والعالمي.. استطاع أن يُحقق مكانة متميزة بإبداعاته العديدة.. وجاهد لكي يصنع أدباً مختلفاً عن المراحل السابقة له، فكانت نوبل من نصيبه التي أضاف إليها كثيراً.. كان قد بلغ عامه الثالث والتسعين راضياً وقانعاً بحياته ومشواره الحياتي والإبداعي.. وما زالت خفة دمه حاضرة.. ورغم مرضه إلا أنه كان مُدركاً تماماً للعالم من حوله.. سألته عن سر توقفه عن الكتابة بعد ثورة 23 يوليو 1952 واتجاهه لكتابة السيناريو؟.

- «إحساس طبيعي مثلما تأكل وتنسد نفسك.. وأنت لا تعرف لماذا.. إنها مسألة تحتاج لطبيب.. فالواقع أن نفسي انسدّت تماماً عن الإنتاج الأدبي أو حتى عن القراءة الأدبية».

• الأزهر.. الرقابة .. حريّة الأديب.. أريد أن أعرف مدلولات هذه الكلمات داخلك؟

- «حريّة الأديب حياته.. الأزهر صوت الإسلام وكلمته.. والرقابة لا شأن لها بالكُتَّاب وإنما بالمُصنّفات الفنية.. وهي تفيد أحياناً وتوقف الجامحين عند حد ما.. أو تمنع تجّار الفكر أن يتجاوزوا بالفكر!.. هذه هي الرقابة الرشيدة» .

• ومسألة الضبطية القضائية التي طبّقت مؤخراً؟

- نحن في عصر يصعب فيه مُصادرة شيء.. فالتطور التكنولوجي لم يخبّئ شيئاً ، فلا عقلنة في مسألة الضبطية هذه.

• هل تُحقق المُصادرة شهرة للأديب؟

- يصح .. ويصح لا.

• بمعنى ؟

- أقصد أنه يُوجد أديب يثابر وينجح فيصل وينال شيئاً من الشهرة والمجد الأدبي .. وهناك من لا يُحقق شهرة رغم المُصادرة.. فهي ليست قاعدة عامة.

• 90 % من نساء رواياتك مُنحرفات.. ما السر في هذا؟

- ظلم .. مُنتهى الظلم، لقد سمعت هذه الجملة كثيراً.. والسبب في ذلك يرجع إلى السينما، لأنها أعطت أدوار المُنحرفات لفنانات كبار ومشهورات فغطوا على الطيّبات.. ولكن تعال وقم بعمل قائمة.. واحص النساء الطبيعيات الطيّبات في الثلاثية.. في باقي من الزمن ساعة .. في المرايا .. في الحرافيش.. سوف تجد أن المُنحرفات لا يزيد حجمهن على الطيّبات.

• أريد أن أسألك عن تلك المرأة التي صوّرتها في نهاية الثلاثية وهي السلطانة زبيدة.. حيث صوّرتها وقد أصبحت امرأة صلعاء تهيم في الدنيا.. لا أحد يعبّرها بعدما كان السيد أحمد عبد الجواد وأغنياء عصرها يتودّدون إليها وينامون عند قدميها.. أليست هذه المرأة رمزاً لنهايات الدول الطاغية.. وحكوماتها المتجبّرة؟

- لقد قدّمت صورة وفعلاً وعلاقة مع ناس.. أنت قارئ ناقد تفهم ما تشاء.. ما دام عندك دليل يطمئن قلبك إليه، ويظل الأدب تسجيلياً يوضّح لك. ولكنه لا يقول كل شيء فإذا قال كل شيء فما الفرق إذن بينه وبين الكلام العادي وجلسات الناس ..

ويضيف الأديب الكبير: الكثيرون يفهمون الأدب على أنه رمز والكثيرون يفهمون الأدب على أنه إيحاء وتعبير عن أشياء لا يستطيع الكلام العادي أن يقولها! ولا تستطيع المقالات الصحفية أن تقوله..

والبعض يذهبون إلى الأدب بغرض المُتعة وقضاء أوقات الفراغ.. وكل نوع من هذه الأنواع يفهم السلطانة زبيدة بطريقته التي تروق له..

• لماذا كل هذه القسوة على محجوب عبد الدايم.. قسوة لا مثيل لها على أحد من أبطال أعمالك؟

- ليس أقسى من الحياة التي كان يعيشها.

• لماذا قتلت الفتاة التي أحبّت أخواتها وأدخَلَت أحدهم كلية الشرطة في رواية بداية ونهاية؟.

- لأنها سقطت.. وهذه لا تغتفر في مجتمعنا.. هذه كانت رسالتي التي يفهمها الناس في مصر.

• ما الذي لم تكتبه في علاقتك ب «طه حسين» ؟

نجيب محفوظ بانفعال وضيق: كل علاقتي بطه حسين تكلّمت فيها، من يوم أن عرفته في نادي القصة، وبعد ذلك تعرّفت به وأصبحت أزوره في بيته حتى وفاته .. وكل علاقتي به كتبتها وقلتها.

• ألم تحدُث خلافات بينكما ؟

- لا لم تحدث خلافات.

• والعقاد ؟

- العقاد أستاذي، لكن لم أذهب إلى ندوته.. طه حسين جاء لنا في نادي القصة.. يوسف السباعي دعوناه فجاء لنا.. العقاد لم يأت.. ثم طه حسين بعد ذلك دعاني كي أزوره في بيته فزرته، فإن لم تكن هناك صلة لي مع العقاد، فلا تستنتج منا قلة اهتمام، العقاد أستاذ الأساتذة وكل شيء، ولكن لم تكن له علاقة مع أحد.

• وإحسان عبد القدوس؟

- إحسان زميلي.. وأصغر مني وأعرفه من المولد.. وهل يعقل أن تكون هناك خلافات بيني وبينهم.. لا توجد خلافات ولكننا كأدباء استطعنا أن يكون لنا اسم بين كافة الأجيال.

• لماذا لا تهتم بالعروبة في كتاباتك؟

- لا لم يحدث.. أنا مهتم بالعروبة.. هناك فرق بين حاجتين: الاهتمام بالكتابة عن بلاد عربية . والعروبة، فالعروبة أنا كنت من أنصار فكرة العروبة قبل أن ينادي بها الزعيم عبد الناصر.. وأعتقد أن العرب لهم وحدة من الممكن أن نطلق عليها عروبة في الثقافة أما أي وحدة أخرى في الاقتصاد والسياسة فممكنة ولكنها تحتاج إلى وقت طويل.. إنما أنا من أنصار العروبة.. وعمري ما كنت ضدها بأي حال من الأحوال.. يعني الحكاية باختصار يا سيدي أنني لست ضد العروبة ومن يقل ذلك فهو ضدي !!، وهذه هي الحكاية كلها.

• قلت أن إسرائيل طالما أعطت للعرب حقوقهم تصبح دولة صديقة؟.

- لا العرب هم الذين اصطلحوا معها.. فمثلاً نحن بيننا وبين إسرائيل صلح ثابت .. وكذلك الأردن.. أما الفلسطينيون فما زالوا يسعون لأخذ حقوقهم.

• قلت إن إسرائيل دولة صديقة؟

- قلت حين كنت أتحدّث عن البلاد التي عملت معها معاهدات سلام مثل الأردن.

• هل توافق على أن تذهب لزيارة إسرائيل؟

- أنا لن أذهب لإسرائيل ولا لغير إسرائيل.. ولا أخرج من مصر فكيف أتحرّك وأنت تراني هكذا..

 

 

أضف تعليقك