• الصلاة القادمة

    الظهر 11:01

 
news Image
منذ ثانية واحدة

بقلم: علاء بيومي

حققت الثورة المضادّة العربية عام 2013 نجاحات كبيرة، في مقدمتها إطاحة الثورة المصرية وتجربة الحكم الديمقراطي في مصر، ودعم انقلاب عسكري ضدهما. هذا بالإضافة إلى دعم صعود خليفة حفتر في ليبيا، وإعادة تأهيل علي عبد الله صالح في اليمن، وشيطنة جماعة الإخوان المسلمين عبر العالم العربي، ووصمها بالإرهاب، وحظرها في بعض الدول.

استفادت الثورة المضادة في تلك الفترة من عوامل كثيرة، أولها غموض هذه الثورة وانقسام الشعوب وأنصار التغيير تجاهها، فمثلاً، كان من الصعب إقناع المواطن في مصر وسورية واليمن ودول أخرى، بحقيقة الدور الذي يقوم به النظامان السعودي والإماراتي عبر الإقليم، وحقيقة نظم الثورة المضادة الجديدة، كنظام عبد الفتاح السيسي في مصر.

لعب الانقلاب العسكري في مصر على مشاعر المصريين الوطنية، مصوراً نفسه وطنياً مخلصاً ومنقذاً للبلاد من مخاطر التقسيم والأخونة. أما النظام السعودي فقد تولى فعلياً زعامة النظام العربي، مستفيداً من ثروته الضخمة وأيديولوجيتيه الدينية، والصورة التي رسمها لنفسه عقوداً أنه مدافع عن الإسلام والشعوب العربية. بل مدافعاً عن التغيير والثورات نفسها في سورية واليمن. ولعب النظام الإماراتي على أوتار التحديث، وصورة دبي، وصورة إمارات الشيخ زايد في وجدان عربٍ كثيرين. ولذلك كله، دعم عربٌ كثيرون، بما في ذلك أنصار الثورة والتغيير، التدخل السعودي الإماراتي في اليمن عام 2015، ضد انقلاب الحوثيين وشريكهم علي عبد الله صالح، الذين أدى السعوديون والإماراتيون أنفسهم دوراً كبيراً في إعادة تأهيله. واستضافت السعودية قوى المعارضة السياسية السورية، وظل كثيرون يحلمون بتدخل غربي – عربي في سورية نصرة للثورة ضد نظام بشار الأسد.

ولذلك استمرت الثورة العربية المضادة في منحنىً تصاعدي سريع وخطير، وصل إلى أوْجه بصعود دونالد ترامب إلى سدة الحكم في أميركا في 2017. ويبدو أن هذا الحدث أخرج الثورة المضادة عن عقالها، وجعلها تتخلى عن أي محاولةٍ للتخفي أو الحذر، فمنذ صعود ترامب، تحولت الثورة المضادّة نحو إسرائيل واليمين المتطرّف بشكل فاق التصور، وجعل دولها، وفي المقدمة السعودية والإمارات، تخسر كثيراً من دعم الجماهير العربية التقليدي لهما.

بعد صعود ترامب، صمتت نظم الثورة المضادّة على نقل ترامب سفارة بلاده إلى القدس، وتعاونت مع إدارته في ما تسمى صفقة القرن، التي رفض الفلسطينيون، بمختلف توجهاتهم، المشاركة فيها، باعتبارها محاولة واضحة لتصفية قضيتهم. كما تعاونت نظم الثورة المضادّة بشكل علني غير مسبوق مع إسرائيل، حيث تم استقبال مسؤولين إسرائيليين بشكل متكرر في الإمارات. وسمح نظام السيسي للطيران الإسرائيلي بضرب أهداف في سيناء. وتقاربت السعودية بشكل غير مسبوق مع إسرائيل، التي باتت تدافع بقوة عن سياسات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وأخطائه، وهو الذي صعد سياسياً بدعم أميركي.

الحماية التي وفرها ترامب لنظم الثورة العربية المضادة دفعها إلى التوحش داخلياً وإقليمياً، فاغتال مسؤولون سعوديون كبار (يشك أن ولي العهد السعودي من بينهم) الكاتب السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، وقام قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، بتعديل الدستور بما يسمح ببقائه في السلطة أكثر من مدتين، وترك الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي يموت في محبسه من دون أن يوفر له الرعاية الصحية الضرورية. وفي ليبيا، دعمت الثورة المضادّة قوات خليفة حفتر للتوسع في شرق ليبيا وجنوبها، حتى انتهى به الحال بالهجوم العسكري على العاصمة طرابلس، مقر الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة، ومحاولة السيطرة عليها بالقوة، خلال زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غويتريس، لها. واستمرت الحرب في اليمن بلا نهاية في الأفق، وبغض النظر عن تكاليفها الاقتصادية والإنسانية المدمرة لليمن، الذي يواجه أكبر مأساة إنسانية حالية، من حيث انتشار الفقر والمجاعة. هذا ناهيك عن حصار قطر والتفكير في احتلالها بالقوة، للهيمنة على مقدّراتها الاقتصادية، وتغيير سياستها الإصلاحية. ودفع ترامب إلى الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران والمواجهة معها.

ولكن الصعود السابق لم يكن بلا حدود أو موجات ارتدادية قوية، ففي ليبيا، توقفت قوات حفتر جنوب طرابلس، وباتت عرضة لخسائر متتالية. وفي اليمن، بات ينظر إلى قوات التحالف باعتبارها قوات احتلال من بعض أبناء المناطق المحرّرة، كما عجز التحالف عن تحقيق نصر سريع أو جادّ. وباتت المملكة نفسها عرضةً لهجمات متتالية من طائرات سلاح الجو المسير التابع للحوثيين، في معادلة ردع جزئي جديدة. وظهرت على السطح أخيراً أنباء عن انسحاب أو إعادة انتشار القوات الإماراتية المشاركة في الحرب.

وفي مصر تراجعت شعبية السيسي بشكل كبير، وبات نظامه يخشى من أدنى تحدٍّ سياسي، كمحاولة بعض الشباب المحسوبين على القوى المدنية خوض الانتخابات البرلمانية المقبلة (تحالف الأمل)، وفقاً لقواعد النظام نفسه. هذا في ظل سخطٍ واسعٍ على سياسات السيسي الاقتصادية والأمنية (خصوصاً في سيناء).

وانهار تدريجياً الحصار السياسي المفروض على قطر، التي نجحت في التعامل الدولي مع الحصار من خلال توثيق حوارها الاستراتيجي مع مختلف القوى الدولية الرئيسية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي استقبل رئيسها أمير قطر قبل أيام، في وسط تأكيد ثنائي على متانة العلاقة بين البلدين. وقبل ذلك، فشلت السعودية والإمارات في تحقيق أي تقدم يذكر في سورية على حساب التوسع الإيراني هناك. وأظهرت الأزمة الأميركية الإيرانية حدود التدخل الأميركي في المنطقة. حيث أكد ترامب مراراً أنه لا يريد المواجهة العسكرية، أو تحمّل تبعات تدخل عسكري أميركي جديد في المنطقة.

أما حكومة إسرائيل، شريك نظم الثورة المضادة العربية، فتتوجه باستمرار نحو اليمين المتشدّد. ويواجه رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، اتهاماتٍ بالفساد، أعجزته عن تشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات أخيراً، واضطرته إلى إعادتها. هذا بالإضافة إلى البداية المتعثرة لصفقة القرن، التي غاب الفلسطينيون عن ورشتها الاقتصادية الأولى في عاصمة البحرين.

وأهم من كل ما سبق، انفجار الربيع العربي في بلدين جديدين وكبيرين؛ الجزائر والسودان، وإطاحته رأسي النظام في البلدين. وعلى الرغم من التحديات التي يواجهها دعاة التغيير فيهما، ومحاولة الثورات المضادّة الالتفاف على الثورتين، من خلال دعم قيادات استبدادية بديلة، إلا أن الثورتين الجزائرية والسودانية، دليل على أن التغيير في بقية الدول العربية مسألة وقت.

هذا يعني أن الثورة المضادّة موجاتٍ تخضع لقانون المدّ والجزر. وقد استفادت في بدايتها من عدم وعي الجماهير العربية بحقيقتها، أو بطبيعة نظمها وأساليبها، ومن الدعم الدولي الكبير الذي حصلت عليه من حكومة ترامب، وكذلك من انقسام دعاة التغيير أنفسهم. ولكن السنوات الست الأخيرة أسقطت أوراق توتٍ كثيرة عن مختلف نظم الثورة المضادة، وفي مقدمتها السعودية والإمارات. كما أظهرت أن لقدرات نظم الثورة المضادّة حدوداً، فعلى الرغم من كل مواردها المالية والعسكرية، تقف نظم الثورة المضادّة عاجزةً عن تحقيق أي تقدم حقيقي في اليمن وليبيا وفي مواجهة إيران.

هذا بالإضافة إلى انفجار ثورتي السودان والجزائر، في رسالة واضحة بأن التغيير في مختلف الدول العربية مسألة وقت. ولعل تغير الإدارة الأميركية في الانتخابات الرئاسية المقبلة (2020) أو التالية لها (2024)، قد يقوّض جزءاً أساسياً من الدعم الدولي للثورات المضادّة العربية.

كشفت السنوات الست الماضية بوضوح أن لمدّ الثورات المضادّة حدوداً، وأنه عرضة للتراجع والتقهقر ولو جزئياً، وربما للانحسار التدريجي أمام رغبة الشعوب العربية في التغيير، التي تنفجر تلقائياً في دولةٍ بعد أخرى. وهو تغيير لن يكون سهلاً بأي حال، ولكنه يبدو قادماً لا محالة.

 

 

أضف تعليقك