• الصلاة القادمة

    الفجر 11:45

 
news Image
Jan 25 20 at 08:56 PM

السؤال الصعب، هو ماذا سيحدث اليوم؟! هل هو يوم ثورة؟ أم يوم بداية ثورة؟ أم هو يوم لإحباط ثورة؟!

وللإجابة على هذا السؤال: لا يمكن اختيار إجابة واحدة من الثلاثة إجابات على طريقة الاختيارات الأمريكية، بل ينبغي فهم الحقائق الآتية، أهمها أن المثلث الذهبي للثورة له ثلاثة أضلاع، لا يقوم بغيرها.

الأول: بيئة الثورة.

الثاني: لحظة الثورة.

الثالث: نتائج الثورة.

أولا: أحسب أنه غني عن البيان، توافر، وتراكم بيئة الثورة في مصر، قبل قيامها، في مثل هذا اليوم – منذ 9 سنوات – مرورا باختطافها في 2013، وصولا للحظة الحالية، التي نترقب فيها، لحظة جديدة، في موجة جديدة، من موجات الثورة، تراكمت في 7 سنوات أسبابها واستحقاقاتها، وأضعاف مضاعفة من أسباب الموجة الأولى.

ثانيا: لحظة الثورة، قد تكون عبر آلية لتحديدها (على طريقة "الأستوب ووتش")، حيث نحدد اليوم والساعة والدقيقة، وننتظر من الناس، إنجاز المطلوب عند تلاقى عقارب الأستوب ووتش، وانطلاق صفارتها، وهذا احتمال، لا نستبعده، لكننا نرفض أن يكون خيارا وحيدا.

فقد تكون لحظة الثورة، هي نقطة منحنى بياني لموجة ثورية تتصاعد في اللحظة وفي المطالب، كما حدث في لبنان، التي خرجت غاضبة، ضد قرار محمد سعيد، وزير المواصلات، بفرض رسوم على الواتس آب، ثم تحول لغضب ضد الحكومة، ثم ضد النظام، إلى أن وصل للعبارة الشهيرة (كلهم يعنى كلهم).

أو كما حدث في تونس عندما اندلعت المظاهرات في قرية "سيدي بوزيد" ثم انتقلت من مدينة لمدينة، لتونس كلها أو كما حدث في مصر في الموجة الأولى، التي اندلعت مقدماتها، لإقالة وزير الداخلية، حبيب العادلي، ولأجل العدالة للشاب خالد سعيد، ثم سرعان ما رفعت الشعار التاريخي "أرحل" و"الشعب يريد إسقاط النظام".

لحظة الثورة، ليست بالضرورة لحظة محددة، بعينها، وساعتها، ولكنها لحظة واجبة أن نستحضر أسبابها ومقدماتها، وبيئتها، من خلال تنمية الأمل في نتائجها.

ثالثا: الثورة ليست فعلا مجردا، من أجل التغيير للتغيير بذاته، بل هي فعلا مخططا من أجل تغيير واقع سيئ إلى واقع أفضل.

إن نتائج الثورة لابد أن يكون لها مقدمات يطمئن إليها المواطن الذي سيدخل الرهان على حريته أو حياته أملا في تغيير واقعه (للأفضل) في ظل محددات واضحة وضمانات محددة.

أهمها في تقديري، وضع ملامح توافقية لصورة مستقبل آمن وعاقل، ومن هنا كان موقفي الشخصي والحزبي بالموافقة على وثيقة 28 كانون الأول/ ديسمبر التي أعلن عنها محمد علي، بغض النظر عن تفاصيل ليست هي الأهم في ظل الاحتياج للتوافق أولا وأكثر من أي شيء آخر.

ومن هنا نخلص للحقائق الآتية:

إن مصر حُبلى بثورة، والجنين حي ويتحرك، ودعاوى الحراك الشعبي المقدرة والمثمنة التي أطلقها أشخاص، أو حركات، أو مجموعات (اليوم 25 يناير 2020) هي إما لحظة وضع أو اختبار لصحة وسلامة الجنين، فهي على الأقل خطوة هامة على سبيل ثورة قد تبدأ اليوم، أو غدا، أو خلال الـ 18 يوما القادمة، أو بعد ذلك، لكنها قادمة لا محالة في اللحظة التي يقدرها الله، ويحددها الشعب، لميلاد مصر جديدة، ينبغي أن تخلوا نهائيا من تشوهات خلقية أنتجتها أنظمة عسكرية استبدادية، حكمت مصر قرابة 70 عاما وللآن.

إن ما يحدث اليوم، ليس بداية ثورة، ولن يكون نهايتها، حتى لو توافرت بيئة الثورة، أو تحققت وأستحقت لحظتها، فنتائج الثورة هي الضلع الأهم في مثلثها، ولا ينبغي أن نرى خروج السيسي وزمرته من المشهد، هو الاستحقاق الذى تتحقق به كل نتائج الثورة، فالأهم هو استعادة حق مصر في حكما مدنيا، ديمقراطيا، ودولة وطنية قوية، تقيم عدالة، وإنصاف، وقانون، ومؤسسات، دولة لا يحكمها "الكاب أو العمامة"، بل يحكمها شعبها، الذي يختار بحرية كاملة، من يحكمه، ومن يمثله، ولا ضامن للثورة غيره، ولا مستقبل لها بدون وعيه، وقدرته على إصلاح ما أصابه من تداعيات، وثقوب، وشروخ، وتشققات، طالت الجسد كله.

فلا تفرحوا اليوم، بانتصار محدود، ولا يحبطكم فشل مؤقت، فطريق الثورة طويل، طول نضال البشرية، من أجل الحرية والكرامة الإنسانية.

وإن لم تشتعل الثورة اليوم فهذا لا ينفي حقيقة أن نارها تحت رماد القهر والخوف الذي لا ينبغي القبول به، أو الصبر عليه أكثر مما ينبغي.

وإن اشتعلت شرارة الثورة، فنحن في بداية طريق التغيير، وأهم استحقاقاته المحافظة على لُحمة الجماعة الوطنية المصرية – كطليعة لإرادة الشعب – واحترام التنوع وعدم الإقصاء، والتوقف عن المزايدات الرخيصة، ومهاترات المراهقة السياسية، التي تتزايد أعراضها مع كل موجة ثورية.

إننا ندعو الجميع لتحمل مسؤوليته الوطنية، اليوم، وغدا، وبعد غد.

كما ندعو الشعب، الذي ننتمي إليه، وننحاز لاختياراته، وقراراته، أن يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه لإنقاذ مصر من هذا الكابوس، وتخليصها منه اليوم قبل غدا.. فقد أغلق السيسي العسكري الأحمق كل سُبل الإصلاح عبر آليات الديمقراطية المرنة، ولم يترك بابا للإصلاح إلا بالثورة – السلمية – عليه، مهما كان الثمن باهظا فهو متواضع جدا أمام ثمن بقاء نظام باع الأرض والعرض، وفرط في الحقوق والحريات وحق الناس في الحياة الكريمة، وقزم مصر وأضاع قيمتها بين دول العالم.

وللعالم الحر أقول إن مساندة مثل هذا النظام عار على كل أحرار وشعوب العالم، التي تنعم بالحرية، ومن واجبها الاستمرار في الدفاع عن حقوق شعوب أخرى تستحق ذات الحرية، فراقبوا ما يحدث في مصر وأعلموا أن استقرار مصر هو رحيل السيسي ونظامه، وليس العكس.

ورسالتي الأخيرة للفنان محمد علي، ردا على ما قطعه على نفسه من عهد بالاختفاء من المشهد، حال عدم حدوث ثورة اليوم؟

وأقول له: إذا ترك السيسي الميادين والشوارع للناس مفتوحة وأمتنع الناس عن الخروج، فعليك وعلينا جميعا الاعتذار للسيسي والاختفاء من المشهد، وإذا أغلق الشوارع والميادين، ومصر كلها، فعليك وعلينا أن نواصل النضال من أجل حق الناس في التعبير والاختيار؛ فمصر بحاجة للجميع – كبيرا أو صغيرا – الآن وأكثر من أي وقت مضى، فمعركة التغيير بدأت، ولن تقف دون أن يحقق الشعب ما يستحقه، وما دفع ثمنا باهظا من أجله، خلال السنوات التسع الماضية، وقبله.

إن ثورة الجزائر – مثلا – والتي اندلعت عام 1954، لم تحقق مطالبها إلا عام 1962، وكذلك الثورة الفرنسية وغيرها من ثورات العالم.

وفي الختام أكرر أن المثلث الذهبي للثورة هو بيئة الثورة (وقد توافرت) ولحظة الثورة (وقد اقتربت) ونتائج الثورة (وقد تحقق اليوم أو بعد حين)، لكنها لاحت في الأفق، فلا يغادر أحدا الميدان، ولا يحقق للسيسي انتصار لا يستحقه، ويلحق بالشعب إحباطا لا يحتاجه، بل يحتاج لعكسه.

المقال للدكتور أيمن نور

أضف تعليقك