• الصلاة القادمة

    العشاء 01:54

 
news Image
Feb 13 20 at 07:36 PM

بقلم قطب العربي

ها هي الذكرى التاسعة لسقوط الرئيس المصري السابق حسني مبارك أهلت علينا في أجواء مليئة بالإحباط عند الكثيرين ممن أسقطوه، فهل هم محقون في إحباطهم؟

 الحقيقة أن استحضار ذلك الحدث بحد ذاته كفيل بهزيمة أي إحباط، لأنه يذكرنا بقدرتنا على الفعل حين نقرر ذلك، فمبارك الذي نحتفي بذكرى رحيله من قصر الحكم هو ونجليه وكبار مساعديه كان يمتلك كل أدوات القوة والبطش تماما كما يمتلكها عبد الفتاح السيسي حاليا، جيش وشرطة ومخابرات عامة وحربية وأمن دولة وحرس جمهوري، وإعلام ورجال أعمال، ودولة عميقة بكل مكوناتها، ومع ذلك لم ينفعه شيء منها حين قرر الشعب الخلاص منه، وحين تحركت الجماهير الحاشدة إلى قصر الإتحادية مساء يوم الجمعة 11 فبراير، ولم تكن كل الحشود قد وصلت إلى القصر حين أذاع عمر سليمان نائب مبارك نبأ خلعه من الحكم.

أسوأ أيامها:
لو لم يبق لثورة 25 يناير من ذكرى طيبة سوى ذكرى يوم خلع مبارك فإن ذلك يكفيها فخرا وشرفا، فقد كان ذلك باكورة ثمارها التي خلعت حاكما عسكريا شغل بمفرده نصف مدة الحكم العسكري لمصر والتي لامست ستين عاما، ثم أتت برئيس مدني لأول مرة بعد انتخابات حرة شهد الجميع بنزاهتها، واصطف المصريون في طوابير ممتدة لمسافات طويلة أمام لجان الانتخابات وهم لا يصدقون أنفسهم أنهم أخيرا امتلكوا إرادتهم، واختاروا رئيسهم بحريتهم.

صحيح أن الثورة تعيش حاليا أسوأ أيامها بعد انقلاب المتآمرين عليها في 3 يوليو 2013، وصحيح أن المعادلات المحلية والإقليمية والدولية لا تسير في صالحها، بل في صالح المنقلبين عليها، لكن من قال إن هذه الأوضاع ستستمر أبد الدهر؟ فسنن الله الكونية وخبرات التاريخ تؤكد أن القوي لا يظل قويا ولا الضعيف يظل ضعيفا طول الوقت، وكثيرا ما نتابع تحولات محلية و إقليمية ودولية مفاجئة تعيد رسم الخرائط والتحالفات السياسية، فيضعف القوي ويقوى الضعيف، ليس ذلك دعوة للتواكل وانتظار القدر، بل الصحيح هو السعي والمساهمة في حركة التغيير لتلك المعادلات عبر تشكيل التحالفات المحلية والإقليمية والدولية أيضا التي تناوئ حلف المستبدين في المنطقة عموما، فالمعركة لم تعد محلية بل إقليمية وحتى دولية، ومرة أخرى فإن هذا الكلام ليس مدعاة لليأس ، ولكنه مدعاة لمعرفة خريطة الصراع، والأطراف المشتبكة فيه، وحجم كل فاعل من أولئك الفاعلين، ونقاط ضعفه وقوته، حتى يتسنى لحلف المقاومة خوض المعركة ضد الاستبداد بطريقة صحيحة تؤتي أكلها.

معركة ممتدة:
المعركة ممتدة من الجزائر غربا وحتى سوريا والعراق شرقا مرورا بليبيا ولبنان واليمن والسودان، وفي القلب دوما فلسطين، وأي انتصار في ساحة من ساحات هذه المعركة الواسعة هو انتصار لصالح باقي أطراف الحلف المقاوم للاستبداد، والعكس صحيح بطبيعة الحال، ورياح الديمقراطية لا تزال تتحرك في المنطقة حتى وإن أوصدت أمامها الأبواب في مصر مؤقتا، لكنها تحيطنا من كل جانب، ومعركة ليبيا التي أراد لها حلف الاستبداد أن تحسم سريعا، لينصب هذا الحلف رجلهم في بنغازي زعيما لليبيا لم تحقق المرجو حتى الآن، ولا تزال المقاومة مستمرة رغم المليارات التي أنفقت لدعم حفتر، وتسليحه، ورغم التواطؤ الدولي الظاهر، وثورة الجزائر أتت أكلها ولو مرحليا بإسقاط بوتفليقة، واعتقال ومحاكمة أقرب معاونيه وبينهم شقيقه، وفتحت الباب لانتخابات رئاسية جديدة تمت بنزاهة لم تشهدها الجزائر من قبل، ولا تزال الثورة في طريقها لاستكمال تحقيق باقي مطالبها، وإنجاز دستور يليق بها، وثورة العراقيين واللبنانين لا تزال مشتعلة رغم كل محاولات الالتفاف عليها، وهي تحقق تقدم  وإن كان جزئيا، لكنها لم تتوقف بعد، وثورة السودان-بغض النظر عن الموقف منها وممن يتصدرون مشهدها الحالي- إلا أنها نجحت في إطاحة البشير الذي ظل يحكم قرابة الثلاثين عاما أيضا والذي شكل دولته العميقة وقواته الخاصة، وقد انقلبت عليه تلك القوات حين تحرك الشعب لإسقاطه.

ولعلنا لم ننس تلك الصورة الشهيرة التي جمعت مبارك والقذافي وعلي عبد الله صالح وزين العابدين بن علي والبشير، وقد أطاحت الشعوب بأولئك الرؤساء الخمسة بل قتلت ثلاثة منهم كانوا يظنون أن لن يقدر عليهم أحد، وصارت تلك الصورة مصدرا للأمل والقدرة على التغيير.

من المؤسف أن رموزا شبابية شاركت في ثورة يناير هي الآن من تنشر اليأس والإحباط بين المصريين، وتزعم أن الثورة قد هزمت، وأن من الضروري أن نستسلم لنظام السيسي، ونقبل بشروطه للتعايش، بدعوى الواقعية، رغم أن هذه الواقعية ذاتها تؤكد بشكل جلي أن النظام القائم هو الذي يرفض أي تسوية وأي مصالحة، لأنه ببساطة يعتبر تلك التسوية أو الوساطة نهاية له، ولذلك فقد اعتمد سياسة المعركة الصفرية مع خصومه الذين توسع في تصنيفهم ليشملوا كل أبناء ثورة يناير بعد أن كان يقصرها على الإخوان أو الإسلاميين فقط.

هربوا:
الثورة لم تهزم ولكن بعض أبنائها هم الذين هزموا لأنهم لم يكونوا على مستوى تلك الثورة العظيمة، وكانوا يتصورون أن الثورة ستحدث التغيير المنشود خلال أيام أو شهور، وهو مخالف للسنن الكونية ولخبرات الثورات والشعوب، لقد انتصرت الثورة في جولاتها الأولى بدءا من يوم 25 يناير ثم موجتها الكبرى في 28 يناير 2011، ثم في معركة الجمل التي أرادت وأدها في مهدها، ثم في خلع مبارك بعد 30 عاما من حكمه وتقديمه للمحاكمه مع رموز عصره ( بغض النظر عن هزلية تلك المحاكمات) ثم في إجبار المجلس العسكري على تسليم السلطة التي كان متمسكا بها، ثم في تمكين الشعب من تقرير مصيره واختيار رئيس مدني لأول مرة في تاريخه، واختيار مجلسي شعب وشورى بكل حرية، وصياغة دستور لا تزال روحه تظللنا حتى بعد التعديلات التي أدخلت عليه بعد الإنقلاب، ووصول العديد من الرموز السياسية المدنية سواء إسلامية أو ليبرالية أو يسارية إلى مقاعد الوزارة والمؤسسات الكبرى في الدولة لأول مرة، ومنحت الشعب حرية وكرامة وعدالة كان يحلم بها، وأصبحنا واقعا معاشا لمدة 30 شهرا.

نعم تعرضت الثورة لكبوة وخسرت الجولة بعد الانقلاب عليها لكنها لم تخسر المعركة بشكل كامل حيث لا تزال روح الثورة قائمة في نفوس الكثيرين، وحيث لا تزال المقاومة بأشكال مختلفة للحكم الحالي وسياساته قائمة سواء عبر الحراك الميداني المتقطع مثل مظاهرات الإخوان ومثل مظاهرة يوم الأرض في إبريل 2016، وأخيرا موجة 20 سبتمبر 2019، أو عبر المنابر الإعلامية أو التحركات الحقوقية والسياسية، أو حتى الأعمال الفنية والدرامية، وحيث لا يشعر النظام بالاستقرار رغم امتلاكه لكل أدوات القوة والقهر، وحيث لا يعرف أحد مكان إقامة رأس هذا النظام على عكس رؤساء الدول، وحيث يشعر هذا النظام بالقلق من أي دعوة للحراك الشعبي فيواجهها بكل القوة الغاشمة التي دعا جنرالاته لاستخدامها ضد الإرهاب في سيناء فلم يفلحوا، واستخدموها ضد الشعب الأعزل حتى يشعروا بنصر ولو وهمي ضد شعبهم وما أسوأه من نصر!!.

لقد أراد الله أن يبقى مبارك حيا بعد سقوطه بتسع سنوات لا ليخرج لنا لسانه كما يزعم البعض، ولكن ليذكرنا دوما بقدرتنا على الفعل (إسقاطه)، ومن ثم قدرة الشعب على إسقاط أي رئيس مهما امتلك من أدوات قوة حين يمتلك  هذا الشعب إرادة للتغيير، إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر.

أضف تعليقك