• الصلاة القادمة

    الفجر 11:45

 
news Image
Mar 30 20 at 09:47 PM

يتسم موقف المؤسسة العسكرية المصرية منذ بدء الإعلان عن وجود إصابات بفيروس «كوفيد ــ19» المعروف إعلاميا "بكورنا" بعدة أبعاد.

البعد الأول، سياج السرية والتعتيم الذي تفرضه المؤسسة العسكرية على حجم تفشي الوباء بين قيادات الصف الأول والثاني بالمؤسسة بعد الإعلان رسميا عن حالتي وفاة بين اللواءات، بخلاف التعتيم المفروض على حجم الإصابات بين القادة والضباط وضباط الصف والجنود.

البعد الثاني، يتعلق بالدور الهامشي للجيش في إجراءات مكافحة العدوى حتى اليوم والجهود المبذولة للحد من انتشار الفيروس.

البعد الثالث، توظيف تفشي الوباء سياسيا واقتصاديا لتعزيز الإمبراطورية الاقتصادية للجيش والتي تهمين بالفعل على غالبية مفاصل الدولة الاقتصادية وتسيطر على نحو 60% من حجم النشاط الاقتصادي في البلاد وأخذها النصيب الأكبر من مبلغ المائة مليار التي خصصها النظام لمكافحة العدوى،

والبعد الرابع يتعلق بتردد المؤسسة حتى اليوم في الإشراف على حظر تجوال شامل على غرار ما جرى من جانب جيوش عدة للحد من الفيروس وهو ما يمكن تفسيره بالخوف على المؤسسة وقادتها حتى لو أدى هذا التردد إلى تدمير المجتمع نفسه وتفشي الوباء إلى مستويات لا يمكن احتواؤها.

مكافحة للعدوى أم بيزنس؟

موقف المؤسسة العسكرية هو انتهاز الفرصة لتعزيز مشروعاتها الاقتصادية وتعظيم إمبراطوريتها وهو ما يأتي اتساقا مع طبيعة المؤسسة العسكرية المصرية التي باتت خلال سنوات ما بعد انقلاب 30 يونيو أقرب إلى شركة استثمارية وليس جيشا بالمعنى الإحترافي للجيوش وذلك بعد احتكاره للمشهد السياسي والاقتصادي وتغول النشاط الاقتصادي للجيش إلى مستويات غير مسبوقة تقترب من حوالي 60% من النشاط الاقتصادي المصري.

فقد تعامل الجيش مع انتشار الفيروس باعتباره فرصة استثمارية؛ حيث منح جنرال السيسي امتياز تعقيم المدارس والجامعات للجيش خلال فترة تعليق الدراسة ليس باعتباره تكليفا وطنيا ضمن خطة مكافحة الفيروس بل باعتباره عملا استثماريا، وكلف السيسي وزارتي التعليم والتعليم العالي بسداد تكلفة عمليات التعقيم من ميزانيتها الخاصة لإدارة الجيش.

في ذات السياق ، عهدت وزارة العدل للقوات المسلحة بتطهير كل مباني المحاكم على مستوى الجمهورية خلال فترة تعليق جميع المحاكم الابتدائية والجزئية والأسرة والاقتصادية ومجلس الدولة ومحكمة النقض، مع منع القضاة والإداريين من الحضور إلا للضرورة القصوى، كما امتد بيزنس الجيش في عمليات التعقيم إلى مقرات مجلسي النواب والوزراء بوسط القاهرة وما يحتويان عليه من منشآت وقاعات مؤتمرات مقابل مليون جنيه، رغم أن عملية التعقيم لم تستغرق سوى ساعتين فقط، وعلى الدرب ذاته لجأت جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية والمحافظات إلى إدارة الحرب الكيميائية في عمليات التعقيم والتطهير من ميزانيتها الخاصة، الأمر الذي يعني توجيه الأموال المخصصة لمنع تفشي كورونا إلى الحسابات الخاصة لوزارة الدفاع، عوضاً عن توجيهها لصالح تطوير المستشفيات وتوفير المستلزمات الطبية، وهو ما يخالف نص الدستور الذي يستوجب موافقة البرلمان على تقرير الحساب الختامي للموازنة العامة للدولة ويشمل كافة إيراداتها، ومصروفاتها، من دون استثناء، وعرض مشروعها على مجلس النواب قبل 90 يوماً على الأقل من بدء السنة المالية، ولا تكون نافذة إلا بموافقته عليها، وتجب موافقة المجلس (البرلمان) على نقل أي مبلغ من باب إلى آخر من أبواب الموازنة، وعلى كل مصروف غير وارد بها، أو زائد على تقديراتها، وتصدر الموافقة بقانون".

كما استغلت إدارة الحرب الكيميائية التابعة للجيش الوضع وطرحت معقما للأيدي في جميع منافذ الجيش سواء في الميادين العامة بالمحافظات، أو في محطات تزويد المركبات بالوقود، استغلالاً لأزمة النقص الشديد في المنظفات والمطهرات في السوق المحلية والصيدليات، بسبب التهافت على شرائها من المصريين مع تفشي فيروس كورونا الجديد في البلاد، وزيادة عدد الحالات المؤكدة إصابتها بالعدوى، كما قامت مجموعة شركات ألفا المالكة لسلسلة صيدليات 19019 والتي يمتلك الجيش حصة فيها بسحب كميات كبيرة من المنظفات والمطهرات عبر شركات التوزيع من أجل "تعطيش السوق"، ومن ثم إعادة طرحها بأكثر من ثلاثة أضعاف أسعارها، في ضوء محاولاتها المستمرة للسيطرة على تجارة الأدوية في مصر.

التردد في تطبيق الحظر الشامل

انتشار الفيروس بين عدد من الصف الأول لقادة الجيش بخلاف تحول طبيعة الجيش إلى نزعة استثمارية بعيدا عن الاحترافية العسكرية أفضى إلى تردد قادة الجيش في الموافقة على تصدر الجيش مع باقي الأجهزة الأمنية لفرض حظر كامل وشامل بعد فشل الإجراءات الحكومية التي تم اتخاذها في إلزام الناس بالإقامة في بيوتهم.

وعبر ممثلو الجيش داخل اجتماعات اللجنة التنسيقية المشتركة لإدارة أزمة انتشار فيروس كورونا عن عدد من المخاوف والاعتبارات تجعل من الصعوبة فرض حظر تجول كامل أو شامل لكل أنحاء البلاد رغم أهميته حاليا في تحجيم تفشي الفيروس والحد من انتشاره، أبرزها خشية قيادة القوات المسلحة من احتكاك أفراد الجيش بالشارع وبالتالي زيادة فرص تعرضهم للعدوى، خصوصاً بعد انتشار الفيروس بين عدد من قادة المؤسسة العسكرية وضباطها وعناصرها، الأمر الآخر أن فرض حظر التجوال الشامل تتولاه المؤسسة العسكرية يتناقض مع توجهات المؤسسة العسكرية التي فرضت خلال شهر مارس عزلة على جميع وحداتها.

ولهذه الأسباب جاء إعلان مصطفى مدبولي رئيس الحكومة يوم الثلاثاء 24 مارس بفرض الحظر ليلا لمدة 11 ساعة تبدأ من السابعة مساء وحتى السادسة صباحا بدءا من الأربعاء 25 مارس ولمدة 15 يوما وكذلك تعليق الدراسة والطيران لمدة 15 يوما إضافية، وهو قرار لا يحقق الهدف من احتواء الفيروس لكن الحكومة لا تستطيع فرض الحظر الشامل؛ لأنها غير قادرة على رعاية ملايين الفقراء والعمالة غير المنتظمة خلال فترة الحظر وهم الذين لا يملكون من المال ما يمنحهم رفاهية الإقامة في المنازل طواعية.

خلاصة الأمر، أن موقف المؤسسة العسكرية يبدو مرتبكا حيال المشاركة بفعالية في أنشطة وجهود مكافحة وباء كورونا، لكنها للأسف تبني مواقفها استنادا على منح الأولوية لحماية نفسها وقادتها وضباطها وعناصرها قبل حماية الشعب نفسه التي أوجب الدستور قيامها بحمايته، لكنها عندما وضعت أمام اختبار جاد؛ فشلت حتى اليوم، وركزت على حماية نفسها وتعزيز اقتصادها، ولا يزال الطواقم الطبية في جميع مستشفيات الجمهورية يتصدرون الحرب ضد تفشي الفيروس رغم الإمكانات القليلة والشح الذي يمارسه النظام معهم وعدم توفير أدوات الوقاية من العدوى، بعكس السخاء والبذخ والامتيازات التي يحصل عليها الجيش بالملايين والمليارات في عمليات التعقيم والتطهير والتي يمكن أن تقوم بها أي مؤسسة مدنية لو حصلت على ذات الامتيازات أو أقل منها، ورغم ذلك فإن جهود الجيش في مكافحة العدوى حتى اليوم لا تزال هشة وضعيفة ولا ترقى لمستوى ما تقدمه جيوش الدول الأخرى التي تتولى مكافحة العدوى بكل تضحية وإخلاص للأسف افتقدتهما المؤسسة العسكرية المصرية ونتمنى أن تراجع نفسها لتقوم بما يجب عليها القيام به قبل فوات الأوان.

أضف تعليقك