• الصلاة القادمة

    الفجر 04:23

 
news Image
منذ ثانية واحدة

بقلم.. عامر شماخ

أينما سرتَ فى شوارع "المحروسة" الآن وجدتَ من يمد إليك يده طالبًا (المساعدة)، أو وجدت مجموعات من العمالة اليومية وقد اصطفت على جوانب الطرق تلتمس الرزق القليل و(الصدقة). وبعد (كورونا) هناك ظاهرة جديدة؛ هى أن يقابلك رجلٌ أو امرأةٌ يبدو من هيئتهما الوقار والحشمة، يطلب/تطلب (أى حاجة!) بعد توقف الأعمال وانقطاع الدخل.

وهذه المشاهد مما يدمى القلب، وأقسى منها أن يتصل بك صديق يسأل عن أى مبالغ من الزكاة أو الصدقة لجار له أصابه المرض بعد أن فقد عمله؛ فهو بحاجة إلى طعام لأبنائه وعلاج للمرض النفسجسمى الذى حلّ به ولا يستطيع النوم من آلامه. ولو عددنا المشاهد ما انتهينا من الكتابة، لكن نعرض صورة عامة لما يعانيه المصريون فى حياتهم المعيشية منذ الانقلاب، وقد أتت (الكورونا) لتزيد المحنة، ولتدخل الملايين منهم تحت خط الفقر، بل فى الفقر المدقع.

بحسب “الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء” فى تقريره لعام 2017/2018؛ فإن نسبة الفقر وصلت إلى (32.5%)، وتفاوتت هذه النسبة من (7%) فى محافظة بورسعيد إلى (66.7%) فى محافظة أسيوط، وأن فى المحافظة الأخيرة قرى وصلت نسبة الفقر بها إلى (80 -100%)، وجاء فى التقرير أن معدلات الفقر زادت فى هذه السنة عن التى قبلها بأكثر من (4%). إلا أن البنك الدولى يكذب الجهاز المصرى؛ إذ يؤكد فى تقريره الصادر فى مايو 2019 أن نسبة الفقر فى مصر بلغت (60%)، فى حين أن المعدل العالمى بلغ (8.6%).

إننا بهذه الأرقام (القديمة) أمام كارثة، نتجت عن فشل النظام العسكرى، فماذا لو أضفنا إليها آثار (كورونا) وقد تعطل نحو (20 مليون) مصرى عن العمل، من العمالة المؤقتة وموظفى القطاع الخاص وباقى المهن الحرة؟ لا شك أن ذلك سيضاعف أعداد الفقراء، فى ظل عدم وجود خطة حكومية أو إمكانات للتعامل مع الأزمة (اللغز) التى قد تمتد لشهور، وفى ظل عدم تقديم مساعدات للمتعطلين؛ اللهم إلا مبالغ لا تغنى من جوع (500 جنيه)، حظيت بها على دفعتين أعداد قليلة وشابها المحسوبية والفوضى.

منذ عام 2014 وفقراء المصريين فى هذه المحنة، على أثر ما أسموه (خطة الإصلاح الاقتصادى) والتى أعقبها رفع الدعم عن السلع التموينية والوقود وزيادة أسعار شرائح الكهرباء والمياه والغاز، ثم كارثة (تعويم الجنيه) التى نسفت قيمته وارتفعت معها الأسعار جميعًا وبصورة جنونية، ومنها أسعار الطعام والدواء. وكما طالت هذه الموجات المتتالية فقراء المصريين فإنها أطاحت أيضًا بالطبقة المتوسطة التى كانت عونًا لهؤلاء الفقراء، ولا نبالغ إذا قلنا إن نسبة كبيرة من هذه الطبقة المفترض أن تكون منفقة صارت الآن وبعد أزمة (كورونا) تمد يدها.

ومما زاد من فقر الفقراء خلال السنوات الست الماضية؛ تغييب الانقلابيين للإخوان؛ حيث كان لقسم البر فى الجماعة دور محمود فى هذا الجانب، وأيضًا منع جانب كبير من الوقف الأهلى الفاعل وغلق جمعياته، وإجهاض أى مبادرة جديدة فى هذا الجانب، وقصر أعمال البر على جمعيات تابعة للنظام ذات أثر محدود. وإذا كان رمضان فرصة للفقراء حيث يزداد فيه العطاء، وقد اعتاد الكثيرون إخراج زكواتهم فيه –فقد جاء هذا العام وقد جف الضرع وهلك الزرع، وقد أُغلقت المساجد التى كانت موئل الفقير، يأتيها فيجد حاجته التى يأخذها بكرامة ومن دون مَنٍّ أو أذى.

ونحن هنا نتحدث عن الطعام والشراب، ولم نتحدث فى تفاصيل حياة الفقير المصرى التى صارت بائسة بما تعنيه الكلمة، فلا مشافى تعالجه، ولا مدارس تعلم أبناءه؛ إذ العلاج كلفته مرتفعة، وكذلك الدروس الخصوصية، فلا عجب أن ترى من يصرخون من الألم ولا يجدون ثمن العلاج، أو من بحاجة إلى إجراء عملية جراحية ولا يملكون ثمنها، وقد رأينءا من يتسربون من التعليم لعدم القدرة على الصرف، كما لم نتحدث عن أزمة إسكان طاحنة، فى ظل إيجارات مرتفعة، أو أنظمة تمليك تستحيل على الفقير.
وإذا كان العسكر قد تفرغوا لبناء القصور والعواصم الإدارية بأبراجها وبحيراتها والطرق والجسور الموصلة إليها؛ فالأوْلى بالغيورين أن يدفعوا غائلة الفقر عن إخوانهم –قدر الإمكان- والعلماء على رأس المدعوين؛ أولًا ببيان فضل الإنفاق، ووجوب الزكاة، وحق الفقير فى مال الغنى، وحق القريب والجار، وفضل سد حاجة اليتيم والمسكين والأرملة. وثانيًا توليد مبادرات أهلية وشبابية لعلاج المشكلة ولو بشكل جزئى، وقد صارت شبكات الاتصال الاجتماعى وسيلة ممتازة لحشد الرأى العام لمثل هذه القضايا؛ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فماذا ننتظر بعد ذلك؟ هل ننتظر عمليات انتحار جماعى لا سمح الله؟ أم سرقات بالإكراه؟ أم ننتظر فوضى مجتمعية وحرب أهلية؟ نسأل الله السلامة.

أضف تعليقك