• الصلاة القادمة

    الفجر 04:23

 
news Image
منذ ثانيتين

بقلم: عصام تليمة

بعد تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون، وعودة الرسوم المسيئة للإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم، تنادى كثير من المسلمين بمقاطعة البضائع الفرنسية، ردا على هذا السلوك المهين للمسلمين، في أعز مقدساتهم، ولم تكن هذه المرة الأولى التي يمارس فيها المسلمون مقاطعة من يعاديهم بالقول أو بالفعل.

وما أن تعالت أصوات المسلمين بالمقاطعة الاقتصادية، وهو سلوك سلمي مائة في المائة، حتى رأينا الصهاينة العرب يقللون من شأن وفعالية المقاطعة، وتارة يخرج مشايخ السلطة الفاسدة بتثبيط الناس، وكأن ما يفعلونه بدعة في الدين، بينما هو جهد المقل، كما قال تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) التغابن: 16.

والمقاطعة الاقتصادية لمن يعادي المسلمين، في دينهم، أو مقدساتهم، أمر منصوص عليه في القرآن والسنة، وحياة الناس، فالله عز وجل يقول: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) المائدة: 2، وكفار قريش قد مارسوا مع النبي صلى الله عليه وسلم سلاح المقاطعة، ليثنوه عن دعوته ورسالته، في ما سمي بحصار شعب أبي طالب، لمدة ثلاث سنوات، كما ذكرت كتب السيرة النبوية.

كما استخدمه بعض الصحابة في محاربة المشركين في العهد المدني، كما روت كتب السيرة، وذلك عندما ذهب ثمامة بن أثال الحنفي ليقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فأمسك به المسلمون، وربطوه في المسجد ثلاثة أيام، ثم عفا عنه صلى الله عليه وسلم، وأسلم ثمامة، ثم خرج معتمرا، فلما قدم مكة، قالوا: أصبوت يا ثمامة؟ فقال: لا، ولكني اتبعت خير الدين، دين محمد

ثم قرر ثمامة أن يمارس على كفار قريش المقاطعة الاقتصادية، وقد كان قمح وبر قريش يأتيهم من بني حنيفة، قبيلة ثمامة، فقال لهم: والله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم خرج إلى اليمامة، فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك تأمر بصلة الرحم، وإنك قد قطعت أرحامنا، وقد قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه أن يخلي بينهم وبين الحمل.

ثم إذ بالمثبطين يبتكرون وسيلة جديدة لتصرف الناس عن المقاطعة، فقالوا: ومن نقاطع؟ هل نقاطع البضائع الفرنسية الآن، لنشتري البضائع الأمريكية، أو الصينية، وهم أيضا يضيقون على المسلمين ويؤذونهم، يعني قاطعنا مهينا لمقدساتنا، لنشتري بضائع محارب آخر؟! وهي حيلة تنطلق من جهل بما يسمى في الإسلام بفقه الموازنات، أي: أن توازن بين درجات المفاسد، ودرجات المصالح.

فالقرآن الكريم وضع لنا معيارا نسير عليه في مثل هذه القضايا، فعند حديثه عن المخالفين، لم يضعهم جميعا في سلة واحدة، ولا في قالب واحد، بل صنفهم صنوفا مختلفة، لا من حيث موقفهم من الإيمان والكفر، بل من حيث موقفهم من العداء والظلم، فتارة تجد القرآن الكريم يتحدث عن المخالفين بقوله: (الذين كفروا) البقرة: 161، وتارة يقول: (الذين كفروا وظلموا) النساء: 168، وتارة ثالثة يقول: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) النساء: 167، ورابعة يقول: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول) محمد: 32

فكل هذه مستويات من المخالفة في العقيدة، فمنها من يخالف ولا يمارس عدوانا، ومنهم من يخالف، ويمارس ظلما، ومنهم من يمارس مخالفة في الدين ويجمع معها الصد عن سبيل الله والعدوان على الله ورسوله، فكل هذه المستويات من الخطاب القرآني، ليتعلم منها المسلم: أن لكل منها درجة، ولكل منها معاملة، ففرق بين المخالف المسالم، والمخالف المعادي.

والنبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، وقد جاءه مندوبون من قريش يفاوضونه، رغم أنهم كلهم كفار، لكنه صنفهم حسب موقفهم من التفاوض، وحسب مرونته وشدته، وقد كان جالسا في خيمته، فسأل من القادم؟ قالوا: الأحابيش، فقال: إن الأحابيش قوم في قلوبهم رقة، قدموا الهدي. ثم سأل من القادم؟ فقالوا: فلان، فقال صلى الله عليه وسلم: ليس بذاك، أي: ليس برجل تفاوض وحوار، ثم سأل صلى الله عليه وسلم: من القادم؟ فقال الصحابة: سهيل بن عمرو، فقال صلى الله عليه وسلم: سهل الله عليكم به، أي رجل تفاوض ومرونة، رغم أنهم كلهم كفار وأعداء، لكن بعض الأعداء أعقل من بعض، وبعضهم أحمق من بعض

فالمطلوب هنا في مثل هذه الحالات، أن تنظر في المعركة الحالية، والعاجلة، من الذي يعلن بإهانة مقدسات المسلمين، ومن الذي يتبجح فيها، ويتحدى الوجود الإسلامي في الغرب، ثم يصنف حسب درجته، لتكون الأولوية في المقاطعة الاقتصادية، وليس مطلوبا في المقاطعة أن نقاطع كل منتج لهذه الدولة، بل التركيز على أهم الشركات التي تدعم هذا التوجه، وذلك عند تعذر التوجه العام.

وليس المقصود والمستهدف من المقاطعة أنها ستقضي على من يهين الإسلام، فهذا أمر مستحيل، وليس مستهدفا بالأصل، لكن المقاطعة تدخل تحت باب: سياسة عض الأصابع، أو قرصة الأذن بلغة السياسة أو الاقتصاد، وإشعار هذه الشركات والدول أننا لا نقبل إهانة ديننا ورموزه، فهذه هي اللغة التي يفههما هؤلاء، بعد أن فقدنا أهم لغة: وهي لغة الساسة والحكام، بعد أن أصبح معظم هؤلاء الحكام عملاء بأجرة أو بدونها لهم.

أضف تعليقك