• الصلاة القادمة

    الفجر 11:45

 
news Image
Feb 22 21 at 07:38 PM

بقلم: قطب العربي

قبل أيام نطق الجنرال السيسي بمصطلح "المعارضة" لأول مرة منذ انقلابه في 3 يوليو 2013، لكنه أحاط المصطلح بسياج من الأسلاك الشائكة، فالمعارض لا بد أن يكون "فاهما"، و"دارسا" لما يقول، و"لا يعارض من أجل المعارضة"، بل "يكون هدفه هو تحسين أحوال الناس وحياتهم".

 

من الطبيعي أن المعارض أو حتى الناصح يدرس ويفهم ما يطرحه، خاصة في ظل نظام لا يرحم، لكن الطريقة التي ذكر بها السيسي هذه المواصفات تشي بأنه يبطن معاني أخرى لها في قاموسه الخاص، فهو يتعامل مع أي معارض أو صاحب نصيحة باعتباره غير فاهم وغير دارس لما يقول، كما فعل مع أحد النواب عندما نصحه بوقف رفع أسعار الكهرباء والوقود رحمة بالفقراء، فصاح في وجهه بمنتهى الغضب: "هل أنت دارس هذا الكلام؟!".. وهي جملة أصبحت تتكرر على ألسنة المصريين في مجال السخرية من بعضهم، ولكنه في الوقت نفسه يستضيف منافسه الذي لعب دور "الكومبارس" في انتخابات 2014 في الصفوف الأولى بإحدى المناسبات العامة، مشيدا بدوره في تمرير مسرحية الانتخابات (قبل أن ينقلب عليه لاحقا)، وهو يكرر الأمر ذاته مع محلله في الانتخابات الرئاسية التالية (2018).

 

    الهامش الديمقراطي المحدود الذي سمح به مبارك والذي فتح نافذة محدودة لحرية التعبير والإعلام، سمح في النهاية بحشد ملايين المصريين ضده في ميدان التحريري وغيره من الميادين

 

 

كلام السيسي عن قبوله بمعارضة "مشروطة" يبدو معاكسا لقناعاته السابقة التي عبر عنها كثيرا، والتي تعهد فيها بعدم تكرار ثورة 25 يناير (ما حصل منذ سبع سنين لن أسمح أن يتكرر مجددا). وضمن هذه القناعة فإن الهامش الديمقراطي المحدود الذي سمح به مبارك والذي فتح نافذة محدودة لحرية التعبير والإعلام، سمح في النهاية بحشد ملايين المصريين ضده في ميدان التحرير وغيره من الميادين وانتهت بإسقاطه، وبالتالي فإن أي فتح للنوافذ مهما كانت صغيرة للمعارضة ولحرية التعبير يمكن أن تعيد ذلك المشهد مجددا.

 

إذن، ما الذي دفع السيسي لإعلان قبوله تلك المعارضة الشكلية المشروطة رغم يقينه بخطورتها؟ الرد هو التغيرات الدولية التي أزاحت أكبر داعم له وهو الرئيس الأمريكي السابق ترامب، وأتت برئيس جديد تعهد بدعم الديمقراطية ولو شكليا، ويعتزم عقد قمة عالمية عن الديمقراطية خلال الشهور المقبلة. وقد تلقى السيسي نصيحة مستشاريه سواء داخل مصر أو خارجها بضرورة الإعلان عن تلك الخطوة الشكلية لعلها تسهم في تخفيف الضغوط عليه، ولعلها تساعد شركة العلاقات العامة واللوبي المساند له في تحسين صورته.

 

 

 

لكن هيهات هيهات، فالعالم ليس ساذجا لتنطلي عليه ألاعيب السيسي كما انطلت على فريق من المصريين!! والعالم يدرك أنه لو كان السيسي صادقا في كلامه فلماذا يحبس قادة المعارضة "الكيوت" الذين يعملون من داخل النظام ووفقا لقوانينه؟ ولماذا يغلق كل منافذ التعبير عن الرأي ويمنع التظاهر السلمي، ويقمع حرية الإعلام؟ ويهيمن على كل وسائل الإعلام ويفرض عليها سياسة الصوت الواحد؟ ويحبس الصحفيين؟ ولماذا لم يسمح بفوز عدد من النواب المعارضين في البرلمان؟ ولماذا ينهر أو يعتقل كل من يطرح رأيا لصالح الشعب؟!

 

    العالم ليس ساذجا لتنطلي عليه ألاعيب السيسي كما انطلت على فريق من المصريين!! والعالم يدرك أنه لو كان السيسي صادقا في كلامه فلماذا يحبس قادة المعارضة "الكيوت" الذين يعملون من داخل النظام ووفقا لقوانينه؟

 

 

في مقابل هذا النوع من المعارضة "السيسية" التي يقبلها السيسي (نظريا لا عمليا)، هناك المعارضة الحقيقية المعبرة عن هموم وآلام الشعب، والنشطة في الدفاع عنه، وعن حقوقه، واحتياجاته، وهي التي سبق أن مهدت وشاركت في ثورة 25 يناير (2011) رافعة شعارات العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، وهي أهم احتياجات الشعب المصري في الوقت الحالي كما كانت من قبل. دفعت هذه المعارضة ثمنا خلال معارضتها لنظامي السادات ومبارك، ولا تزال تدفع حاليا الثمن الباهظ من شهداء ومعتقلين ومشردين ومطاردين ومهجرين، دون أن ترفع الراية البيضاء.

 

نتحدث بطبيعة الحال عن المعارضة الجذرية (رافضي الانقلاب والحكم العسكري)، لكن من الإنصاف القول إن المعارضة الإصلاحية أو النظامية التي تعمل بقواعد النظام ومحدداته، هي أيضا محاصرة في مقارها، ولا يسمح لها بالتمثيل البرلماني مثلا إلا من خلال الالتحاق بقائمة المخابرات تحت مظلة حزبها الحاكم حاليا (مستقبل وطن)، وهو أمر ليس مسموحا إلا لمن يقبل تماما شروط التبعية الكاملة، ويقبل أن يظل مجرد "ديكور" حزبي، يتيح للنظام الحديث عن وجود أحزاب سياسية أمام العالم الخارجي. والأغرب أن النظام أصبح يتدخل مباشرة لإعادة ترتيب البيت الداخلي للأحزاب المصرية.

 

ونتذكر هنا تدخل النظام في حزب المصريين الأحرار الذي أسسه رجل الأعمال نجيب ساويرس، والذي أجبره في نهاية المطاف على ترك الحزب وحتى القنوات الفضائية التي كان يمتلكها. ولا تزال معركة تطهير حزب الوفد من العناصر المعارضة جارية أمام أعيننا حتى الآن، حيث تم فصل رئيس الكتلة البرلمانية للحزب النائب محمد عبد العليم وعدد كبير من أعضاء الهيئة العليا لحزب الوفد، بزعم أنهم خلايا إخوانية!! وهو ما تكرر في العديد من الأحزاب الأخرى في إطار تحركات النظام لإعادة هندسة الحياة الحزبية لتطهيرها من أي معارض أو شبه معارض. كما لا ننسى في هذا الإطار دور النظام في الضغط على الحركة المدنية، وهي تجمع لعدة أحزاب علمانية، وتفجير هذه الحركة من داخلها، وشل حركتها، واعتقال عدد من قادتها وعلى رأسهم أمينها ومتحدثها السابق المهندس يحيي حسين عبد الهادي.

 

رغم الدور الذي تقوم به المعارضة الجادة في الخارج ومنابرها الإعلامية في قضية الوعي وفضح سياسات النظام ومظالمه، إلا أنها لا تزال بحاجة لتوحيد صفوفها أو تنسيق العمل بينها في الحد الأدنى. وهنا نشير إلى محاولات واجتهادات جديدة ظهرت مؤخرا، مثل اتحاد القوى الوطنية برئاسة الدكتور أيمن نور، وهو كيان ذو طابع سياسي، ومجموعة تكنوقراط مصر برئاسة الدكتور محمود وهبة، وهو كيان ذو طابع اقتصادي جعل قضيته الأولى مواجهة سيل الديون الأجنبية التي تطوق أعناق الأجيال الحالية والأجيال القادمة، وهناك العديد من الاجتهادات الأخرى، لكن كل ذلك لا يغني عن ضرورة توحيد كل الجهود لتحقيق الهدف الأكبر وهو إنقاذ مصر من الاستبداد والفساد.

أضف تعليقك