• الصلاة القادمة

    الفجر 04:23

 
news Image
منذ ثانية واحدة

كدت أركن إليهم، فقد استيقظنا ذات صباح على حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تندد بما أقدمت عليه الشرطة المصرية، من مطاردة للمجاهرين بالإفطار في نهار رمضان، وبعض ما نشر، جاء مصحوبًا بالصور، على نحو يؤكد أن النظام الانقلابي قد أسس إدارة جديدة بوزارة الداخلية تحمل اسم "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، أو أنه أناط بشرطة المرافق القيام بهذه المهمة إلى حين تأسيس وزارة "من بابها" لذلك، وهي الوزارة التي عرض فكرتها الراحل الشيخ "يوسف البدري" عندما كان عضوًا بالبرلمان، على حسني مبارك، وقد ذهب الشيخ مع وفد من النواب للقصر الجمهوري وبايعه على "الإمامة العظمي" مما أثلج صدر الرئيس المخلوع!.

الذي عزز لدينا الاعتقاد، بتصديق هذه الدعاية عن مطاردة المجاهرين بالإفطار من قبل الشرطة المصرية، أن دار الإفتاء المصرية، سبقت بالدخول على الخط، وهي التي تجاوزت اختصاصها القانوني في زمن الانقلاب وصارت جزءًا من المنظومة السياسية، فيدلي المفتي بآراء مساندة لأهل الحكم، فلا تعرف ما إذا كانت تمثل ما يعتقد فضيلته أنها "حكم الدين"، أم أنها الحرب والرأي والمكيدة!.

فدار الإفتاء كانت قد أصدرت فتوى بتجريم المجاهرة بالإفطار قبل قيام القوات بمهمتها في تنفيذ الفتوى، أو هكذا قيل، وعليه فقد كانت هذه مناسبة طيبة لاحتشاد النشطاء من جديد، وكثير منهم توقف تماماً عن الكلام في السياسة، خوفًا من حكم لا يرقب في من يعارضه إلا ولا ذمة، وكان الهجوم على الأداء الأمني بمطاردة المجاهرين بالإفطار، هو عودة للنضال الآمن، الذي كانوا يمارسونه في عهد المخلوع، وهو نضال ليس له فاتورة تدفع، وكان من رموز هذه المرحلة كثيرون من نظر إليهم عوام الناس على أنهم مناضلون، بينما يختزل أحد قامات النضال في هذه المرحلة الرفض لتوريث الحكم لجمال مبارك، في أنه "تاه" في طريقه لزيارة "خطيبته" في منزل أسرتها بالزمالك، فكيف لرجل يريد أن يحكم مصر ولا يعرف شوارعها!.

لقد ضاق الهامش الذي يمكن أن يتحرك فيه "المناضل" من هؤلاء في ظل الانقلاب العسكري، وإن سعى "المناضلون المتقاعدون"، للعودة للهامش القديم، بالهجوم على أداء الحكومة، وسياسات هذا الوزير أو ذلك، وتحييد "الرئيس" وهى الصيغة التي أعجبت مبارك، فقد فوجئوا بعبد الفتاح السيسي، يعلن رفضه لها فمن ينتقد الحكومة لا يعرف حقيقة الأمر مثله، لأنه يجلس مع الوزراء أكثر من ست ساعات في اليوم. وإذ بدا عصبياً وهو يستهجن موقف المنتقدين للحكومة، قد فُهم من كلامه أن هذه الصيغة مرفوضة!.

والحال كذلك، ولأن غياب البعض عن ساحة النضال قد طالت فقد وجدوا في الاحتشاد دفاعًا عن الحريات العامة المنتهكة على يد الشرطة التي تطارد المجاهرين بالإفطار، عودة للدولة الدينية التي يقفون ضدها، وانتهاكاً لمبدأ الحرية الشخصية، ولدينا "طائفة" من أدعياء الثقافة هم في حكم "الرجل التافه"، الذي سئل يوماً عن العلامة المميزة لأمثاله، فقال: "أتى في الفارغة واتصدر"!

ولأني تابعت حملة الوقوف في وجه ملامح الدولة الدينية التي بدأت في الظهور بحملات الشرطة، فأستطيع القول إن من بدأها كانوا مسيحيين، تركوا خطاب كنيستهم، الذي عندما يتبدى منه أشياء للعامة تدهشهم، إلا أنهم مشغولون بتجديد الخطاب الديني الإسلامي، وبالوقوف على الساقطة واللاقطة من ممارسات بعض المسلمين، لينفخوا فيها ضمن سياسة تحويل "الحبة إلى قبة"، وهذا الانشغال هو الذي جعلهم يحتفون بشخصية تافهة فكراً وثقافة، ليجري استضافتها في المؤتمر القبطي المنعقد في الولايات المتحدة الأمريكية تحت رعاية "السي آي ايه"، لتكون هي المسلمة الوحيدة في هذا المؤتمر!

 

النشطاء هؤلاء، يتصرفون على أنهم دعاة للحرية، على نحو يمكنهم من أن يدخلوا في مجالات خاصة بالمسلمين، مع أنه لا وجود لهم في قضايا الحريات الحقيقية، وما دفعهم إلى "التصيد" في المجال الإسلامي سوى طائفية بغيضة، وعندهم ما يشغلهم فلم نجد صوتاً منهم ارتفع أو انخفض، مندداً مثلاً بالقرار الكنسي بتكفير القس إبراهيم عبد السيد، وعدم الصلاة عليه في كنيسته بقرار من البابا شنودة، لأنه طالب برقابة الدولة على أموال الكنيسة!

 

لقد التقط الخيط المناضلون المتقاعدون، ونزلوا ساحة الوغى دفاعاً عن قيمة "الحرية الشخصية" في أن يفطر المرء في رمضان، وباعتبار هذا يندرج تحت إطار هذا الصنف من الحرية، وأن ما يحدث من قبل الشرطة هو دليل على أن مصر في طريقها للدولة الدينية، ويفوت على هؤلاء أنها تاريخياً هي دولة الكنيسة، ولو علموا هذا لتوقفوا عن إطلاق الشعار، لأن معركتهم مع السلوك المنتمي للإسلام في الأصل!

 

لقد كانت مناسبة طيبة لنسمع تحليلات صادمة، في سياق الرفض، فالقواعد من النساء، اللاتي عندهن رخصة شرعية بحكم السن بالإفطار انطلقن، ليثبتن قدرة على الجدل والإحراج، ومقارعة الحجة بالحجة، فماذا لو كان لديها عذر شرعي؟!، وهي لا تقصد بذلك الشيخوخة والمرض، ولكنها تريد أن توحي أنها لم تصل بعد إلى مرحلة انقطاع الطمث، أو أنها من اللواتي جرى وصفهن في القرآن الكريم، بمن يئسن من المحيض؟!

 

إحداهن وضعت "العقدة في المنشار"، أو هكذا ظنت، عندما قالت: ماذا لو كان لديها عذر شرعي، ومعها صديقتها المسيحية؟!

 

اللافت هنا، أن المطاردة هي للمجاهرين بالإفطار، لكن جرى رسمها كما لو كانت للمفطرين بإطلاق وكما لو أن وجود "العذر الشرعي" أو "العذر الديني" يعد مبرراً لأن تأكل وتشرب في الشارع، باعتبار أن هذا حرية شخصية، النيل منها لا تقوم به إلا الدولة الدينية، التي لم ير مثقفو الغبراء ملامحها إلا في مشهد مطاردة المجاهرين بالإفطار!

 

هناك رد مفحم كان كفيلاً بوقف هذا الجدل العقيم، وهو أن العسكر الذين قاموا بكشوف العذرية على نساء تم القبض عليهن إبان حكم المجلس العسكري بعد ثورة يناير، عادوا للحكم الآن، والجهاز الذي تولى هذه المهمة ترقي مديره ليصبح رئيساً للدولة، وبالتالي يمكنه توقيع الكشف الطبي عليها ليعرف إن كان لديها عذر شرعي أم أنها في مرحلة انقطاع الطمث، كما أن "العذر الديني" لصاحبتها يمكن إثباته برؤية "الصليب" المنقوش على يدها أو بمجرد الاطلاع على بطاقة الرقم القومي!

 

وقف الجدل بهذا الحديث كان سيحدث حتماً، لأن من أثاروا هذه القضية كانوا يبحثون عن ميدان آمن يمارسون فيه "شعيرة النضال المجاني"، وتذكيرهم بالعسكر وسوابق أعمالهم سيجعلهم يعرفون أن هذه القضية قد تصبح مكلفة ولا يطيقون دفع ثمنها.

 

لا بأس، فقد ذكرنا القوم بأنهم لا يزالون إلى الآن ضد الدولة الدينية، لكن فقط ينبغي تذكيرهم أن هذه الدولة لم "تتبدى" للناظرين بمطاردة المجاهرين بالإفطار، ولكن بالمشهد الكهنوتي الأول للانقلاب العسكري بحضور رجال الكهنوت البابا تواضروس، والشيخ الطيب، وعبد الفتاح السيسي يعلن حل البرلمان، وعزل الرئيس المنتخب، ووقف العمل بالدستور المستفتى عليه!

 

لقد كدت أركن إليهم وأكتب عن السبب الذي دفع بسلطة حاصرت المساجد وانتهكت حرماتها أن تنشغل بمطاردة المجاهرين بالإفطار، لكن تم الإعلان عن أن ما جرى كان حملة في محيط حي العجوزة تزعمها نائب رئيس الحي وشرطة المرافق، ضد المقاهي المخالفة لضوابط الترخيص، وبعضها يعمل بدون ترخيص أصلاً.

 

وقد لاذ المناضلون بالصمت بعد هذا الإعلان وبدون اعتذار عن شغلهم الرأي العام بقضية مختلقة هم الذين اختلقوها، ليجدوا مجالاً للعودة لـ "سكة النضال" من جديد!

أضف تعليقك