• الصلاة القادمة

    الفجر 04:23

 
news Image
منذ ثانية واحدة

 على مدار العقود الثلاثة الماضية، قامت الحركات الإسلامية بمراجعات لأطروحاتها الفكرية والإيديولوجية والفقهية، نجم عنها، في بعض الأحوال، تحولات جوهرية في خطاب هذه الحركات واستراتيجيتها. وقد تنوعت ردود الأفعال على هذه المراجعات، سواء من السلطة أو جمهور هذه الحركات أو الشارع بوجه عام.

وبوجه عام، يمكن القول إن ثمة طريقين اتبعتهما الحركات الإسلامية في إجراء مراجعاتها خلال العقود الماضية، وقد ارتبطتا، إلى حد بعيد، بالسياق السياسي الذي تعمل فيه هذه الحركات، وخصوصاً من ناحية علاقتها بالسلطة ومدى الانفتاح والانغلاق في التعاطي معها. الطريق الأولى هي التي جرت فيها المراجعات، من خلال إعادة نظر في الرؤية الدينية والسياسية للحركات الإسلامية بشكل عميق وجذري، بحيث نجم عنها تغيير جذري في أفكارها ورؤاها واستراتيجيتها وخطابها، سواء تجاه السلطة أو المجتمع. وقد تم تدوين هذه المراجعات وتوثيقها بشكل منهجي، وذلك كما حدث في حالة "الجماعة الإسلامية" في مصر، عندما أطلقت مبادرتها الشهيرة "وقف العنف" في يوليو/ تموز عام 1997، والتي خرجت موثقةً بعد ذلك في عدة كتيبات، شارك فيها أبرز رموز الحركة، مثل كرم زهدي وعصام دربالة وناجح إبراهيم وعاصم عبد الماجد وأسامة حافظ وغيرهم. وقد تم استقبال هذه المراجعات، في البداية، بالتشكيك وعدم الثقة، خصوصا من داخل الحركة، حيث رفضها بعض القيادات والأعضاء. وكذلك إجراء "الجماعة الليبية المقاتلة" مراجعات عام 2009، أُطلق عليها وقتها "الدراسات التصحيحية" التي تمت تحت رعاية سيف الإسلام القذافي، وتم على إثرها خروج عديدين من قيادات الجماعة من السجون، وفي مقدمتهم عبد الحكيم بلحاج.

أما الطريق الثانية فهي التي قامت فيها حركات إسلامية بعمل ما يمكن أن نسميها "مراجعات استراتيجية"، أو حركية أكثر من أنها مراجعات فكرية أو إيديولوجية، وذلك من خلال إعادة النظر في استراتيجية الحركة وتعاطيها، سواء مع السلطة أو مع خصومها الإيديولوجيين. وضمن هذا النوع، تقع تجربة جماعة الإخوان المسلمين في مصر التي قامت، خلال العقود "المراجعات والتحولات التي تأتي بالإكراه لا تترك أثراً كبيراً على مستوى الأفكار" الأربعة الماضية، وتحديداً منذ عودتها إلى الحياة السياسية منتصف السبعينيات، بعمل تحولات وتغيرات في استراتيجيتها السياسية والحركية، وذلك من أجل التكيف مع التحولات السياسية التي شهدتها البلاد خلال تلك المرحلة. فكان أن قبلت بمسألة التعدّدية الحزبية التي كان يرفضها مؤسس الجماعة، الشيخ حسن البنا، ودخلت في تحالفاتٍ سياسيةٍ وانتخابيةٍ مع تيارات وقوى مختلفة إيديولوجيا، مثلما حدث مع حزب الوفد عام 1984، وكذلك مع حزبي العمل والأحرار في انتخابات 1987. وهو ما وثقته الجماعة فعلياً عام 1994 في وثيقة شهيرة أصدرتها ذلك العام، ناقشت فيها قضيتي التعدّدية الحزبية والمرأة، أو ما قامت به حركة النهضة أوائل الثمانينيات، حين غيرت اسمها من "الجماعة الإسلامية" إلى "حركة الاتجاه الإسلامي"، وبعدها أصدر الشيخ راشد الغنوشي كتابات عديدة مهمة تتعرض لكثير من القضايا الدينية والسياسية والفقهية، كشفت عن حجم النضج الذي مرّت به الحركة خلال تلك المرحلة، والذي جاءت ثماره بعد الثورة التونسية.

وفي الحالين، كانت المراجعات أو التحولات تخضع لظروف مختلفة ومعقدة. كان بعضها يجري بشكل إكراهي أو إجباري، وذلك نتيجة للقمع الشديد الذي كانت تتعرّض له هذه الحركات، وبعضها الآخر كان يجري بشكل طوعي، رغبة في الاندماج في الحياة السياسية. ومن الواضح أن المراجعات والتحولات التي تأتي بالإكراه لا تترك أثراً كبيراً على مستوى الأفكار والتوجهات، وإن كانت تساهم في تخفيف التوتر والضغط السلطوي على هذه الحركات. صحيح أن كثيرين من أبناء الجماعات الإسلامية، سواء في مصر أو ليبيا، قد تركوا العنف، ولكن هذا لم يمنع غيرهم من الحركات والجماعات والشبكات من الوقوع فيه، من خلال قراءة التنظيرات الفقهية والدينية التي كتبها قادة هذ الجماعات، قبل إجراء مراجعاتهم. فعلى سبيل المثال، كان كتاب "العمدة في إعداد العدّة" لأمير الجماعة الإسلامية الأسبق، الدكتور فضل أو سيد إمام الشريف، بمثابة دستور لتنظيم القاعدة في ما يتعلق بقضايا الجهاد والعنف، وتأطير العلاقة مع الأنظمة الحاكمة. لذا، لم تفلح المراجعات التي كتبها الدكتور فضل أواخر عام 2007، والتي تبرأ فيها من كثيرٍ من أفكاره، في وقف تمدّد تيار العنف داخل الجماعات الإسلامية في المنطقة العربية وأفغانستان. كما أن المراجعات الإكراهية لا تحمل القدرة  "مكانة الشيخ راشد الغنوشي داخل أوساط النهضاويين لعبت دوراً كبيراً في القبول بأفكاره" الإقناعية أو الشرعية نفسها التي قد تتمتع بها المراجعات الطوعية. صحيح أن الأخيرة قد تأخذ وقتاً أطول في إعدادها والتمهيد لها، وذلك من خلال الاشتباك الفكري والإيديولوجي مع من يقومون بها، لكنها تصبح جزءاً أصيلاً من تراث الحركة ذاتها، لا يمكن لأحدٍ التشكيك فيه، أو الخروج عنه. كما أن هناك دوراً محوريّاً لقيادات الحركة الإسلامية في ترويجها وإقناع أبنائها بها، فمكانة الشيخ راشد الغنوشي داخل أوساط النهضاويين لعبت دوراً كبيراً في القبول بأفكاره، واعتبار اجتهاده الديني جزءاً أصيلاً من تراث الحركة، وليس مجرد مؤلفات له.

وبغض النظر عن الإجبار أو الاختيار في مسألة إجراء مراجعات الإسلاميين، إلا أنها تظل أحد الملامح الأساسية لتجربة هذه الحركات، والتي تشي بمدى قدرتها على التكيّف مع المتغيرات السياسية والمجتمعية التي تدور من حولها. صحيح أن بعض هذه الحركات قد يأخذ وقتاً في اتخاذ قرار المراجعات بحد ذاته، إلا أن ذلك يبدو مرتبطاً ليس فقط بمدى قبول أبناء هذه الحركات وقواعدها هذه المراجعات، وإنما أيضا بكيفية تعاطي الأنظمة الحاكمة معها والاستجابة لها.

أضف تعليقك