• الصلاة القادمة

    الفجر 04:23

 
news Image
منذ ثانية واحدة

بقلم..الشيخ محمد عبد الله الخطيب

لم كانت التضحيات ؟

إذا كانت التضحية هي بذل كل ما يملك وما نستطيع من أجل حماية الدين والوطن والأرض والعرض والأمة الإسلامية .. وإذا كان صاحب كل مبدأ وقيمة لا يمكن أن تبقى مبادئه أو تستمر إلا إذا دعا إليها وضحى من أجلها أين كان هذا المبدأ وهذه القيمة ... فما بالك بدين هو الخاتم الذي أتم الله به النعمة { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً } المائدة :3] ألا يستحق هذا الدين أن نضحي بكل ما نملك في سبيل نشره وحفظه ؟ ونحن لا نتجنى إذا قلنا إن العالم الغربي أعلن العداء للإسلام بعد أن كان مستترا بل بعد سقوط الشيوعية وانتهائها لم يجد له عدوا إلا الإسلام فماذا عسانا أن نفعل حين تنتهك الحرمات وتداس المقدسات وينال من الأعراض وتلتهم الأوطان ؟

 

ماذا عسانا أن نفعل بعد أن أصبح واضحاً لكل ذي عينين أن العالم الإسلامي يعانى من عدو شرس يجرده من كل قوة سواء أكانت مادية أو معنوية ويعاونه على ذلك نظام عالمي جديد يكيل بمكيالين ويزن بميزانين ميزان يحقق لهذا العدو أسباب القوة والسيطرة السياسية والاقتصادية التي تمكنه من تحقيق مأربه وأغراضه وأهدافه وميزان آخر يعمل على إضعاف تبعيتنا وانسلاخنا من هويتنا وانتمائنا الإسلامي .

 

فالعدو الصهيوني ومعه الصليبية العالمية والعلمانية الكارهة للدين المحاربة له تجعل من إسرائيل رأس الحربة التي توجهها ضد كل ما هو إسلامي باسم هذا النظام وتواصوا بذلك بالرغم من اختلافهم فيما إلا أنهم يتحدون جميعا ضد الإسلام وقيمه ونظمه ومنهاجه .

 

وليس هذا الذي نقول استنتاج عقل وإن كان الأمر لا يحتاج لهذا الاستنتاج بعد أن صرح قادة هؤلاء الأعداء بذلك جهارا نهارا والواقع المؤلم يشهد بذلك في كل ساعة من ساعات النهار والليل على السواء لذلك فإننا نتساءل ألا يحتاج ذلك إلى تضحية بكل عزيز وغال لنعيش كراما أو نموت أعزة ؟ لنصون العرض والأرض والوطن والدين .

 

والتضحية التي نقصدها ليست وقفا على النفس بل الأمر يبدأ ببذل الطاقة والتوسع لفهم للدين دقيق نعرف به ربنا ونتعرف به على أنفسنا ونحدد به رسالتنا في الوجود ونسخر به الكون كله لتنعم الدنيا بمنهاجنا ثم معرفة بالعدو وإمكاناته والإعداد له لنتصدى لمكره ودهائه رداً على افتراءاته وتفنيدا لادعاءاته وتوضيحا لشبهاته فكرا بفكر وقولا بقول ولا نقف عند حد الكلام بل نقدم الأنموذج الفذ فردا وأسرة ومجتمعا ليكون الكلام سلوكا والعلم عملا واقعا معاشا وكل ذلك لا يتحقق إلا بتضحيات بالوقت والمال والجهد بل والنفس أيضا ولذلك لا يجوز أن يصرف معنى التضحية على النفس والمال فحسب فكون بذلك قد ضيقنا واسعا بل إن التضحية كما نقول الإمام الشهيد حسن البنا عليه الرضوان : (بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شئ في سبيل الغاية وليس في الدنيا جهاد لا تضحية معه ولا تضيع في سبيل فكرتنا تضحية وإنما هو الأجر الجزيل والثواب الجميل ومن قعد عن التضحية معنا فهو آثم { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } التوبة :12 ] { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم } التوبة 24] { ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأً ولا نصب } التوبة 120 ] { فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا} الفتح : 16] وبذلك نعرف معنى هتافنا الدائم (الموت في سبيل الله أسمى أمانينا ) .

 

فالتضحية ألوان متعددة وأشكال متنوعة بالمال والوقت والجهاد والأهل والعشيرة بل والنفس في سبيل نشر الدعوة وإقامة الدين وحفظه وهكذا أقيم المجتمع المسلم الأول على أكتاف رجال ضحوا بكل أنواعها إنفاقا للمال ومفارقة للأهل والولد وبذل للوقت والجهد وتضحية بالنفس وتبعهم بإحسان رجال واصلوا المسيرة من التابعين وتابعيهم وإلى يومنا هذا بل وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فلن تخلو الأرض يوما من هذا الصنف المخلص والمخلص ليكونوا جند الله على أرضه وتتحول بهم المبادئ والقيم والعقائد واقعاً على الأرض .

 

القيم والواقع

إن المبادئ السامية تظل مثلا عالية في عالم الذهن حتى يوجد من يمثلها في عالم الواقع وكم من إنسان يتصور هذه المبادئ في ذهنه ويتحمس للدفاع عنها في تخيله ويراها هي الحق كل الحق حتى إذا تحول إلى عالم الواقع جبن عن الدفاع عنها وضعف عن تمثيلها بنفسه وفضل مداراة الناس بما هم عليه من باطل على مجابهتهم بما هو عليه من الحق .

 

إن أهل الباطل يتفانون في الدفاع عن باطلهم ويغتنمون الفرص المناسبة للهجوم على المعتقدات التي يرون أنها تهدد وجود باطلهم الذي يتوقف وجودهم عليه وتتمثل زعامتهم في علو رايته وقيام أمره فيضحون بكل عزيز لديهم ليصدوا عن السبيل ويبغونها عوجا بشراستهم المعهودة وحروبهم المعروفة وهم يقولون :{ أجعل الآلهة إلها واحداً إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق أؤنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكرى بل لما يذوقوا عذاب } [ص 5-8] أفليس أولى بالذين يقولون ربنا الله ثم استقاموا أن يضحوا بكل ما يملكون من أجل الحق الباقي ببقاء الدنيا وما بعدها ليعيشوا أعزة في دنياهم منعمين في أخراهم { تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم } [فصلت 3. - 32] لأنهم عاشوا على لا إله إلا الله محمد رسول الله وماتوا عليها وفي سبيلها جاهدوا وعليها لقوا الله تعالى فصنع خير أمة لأنهم { رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا } [الأحزاب : 23].

 

رجال العقيدة والتضحية

إن عقيدة التوحيد هي صانعة الرجال الذين ينفقون في سبيلها الأموال ويقولون : أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا ويضحون بأنفسهم ويقولون فلا نامت أعين الجبناء إنهم الرجال الذين يرجون تجارة لن تبور يقبلون على الموت وهم يقولون : غدا نلقى الأحبة محمدا وصحبه أنشودتهم هبي ريح الحنة هبي .

 

وسل التاريخ عنهم قبل المصطفي علية الصلاة والسلام وبعده سل عن الذين اصطفاهم الله من بين خلقه من النبيين والرسل الكرام سل الكرام سل عن إيمانهم ومواقفهم وثباتهم وتضحياتهم سله عن زكريا ويحيى وعيس وإلياس وإبراهيم وموسى سل عن أصحاب الأخدود (النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود } [البروج 5-6] وماذا صنعوا ؟ وكيف ضحوا ؟ وتأمل حال سحرة فرعون وكيف صنعت عقيدة التوحيد فيهم ؟ وهم الذين ما عرفوا لهم قبلها ربا إلا فرعون فأقسموا بزته واحتموا بقوته وافتقروا إليه فلما دخل الإيمان قلوبهم صاروا رجالا فضحوا بكل ما يملكون وما تصبوا إليه أنفسهم وهانت عليهم أرواحهم فما ووهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا .

 

وسل التاريخ عن ياسر وعمار وسمية وبلال وصهيب وخباب وغيرهم الكثير رجالا كانوا أم نساء شبابا أم شيبة سل عنهم في بدر وأحد وحمراء الأسد يوم قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ويوم تحزب الأحزاب { ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليماً } الأحزاب 23 ].

 

وما حدث في هذه الغزوات من المواقف الإيمانية والتضحيات البطولية حدث مثلها في اليرموك وحطين وعين جالوت والقادسية وغيرها من المواقف والمواقع التي سجلها التاريخ قديماً وحديثاً لرجال العقيدة في فلسطين والقنال والبوسنة والهرسك والشيشان وكوسوفو في كل أرض يحميها رجال العقيدة فإنك تجد صورا من التضحيات الفريدة والبطولات النادرة .

 

أضف تعليقك