• الصلاة القادمة

    الظهر 11:01

 
news Image
منذ ثانية واحدة

بقلم.. سليم عزوز

بدا الأمر كما لو كان من يدير جلسة برلمان السيسي التي نظرت التعديلات الدستورية من حيث المبدأ، ليس هو "علي عبد العال"، الذي يتسم أداؤه بالرعونة، والطيش عند أي كلمة في "الاتجاه المعاكس"، فيتصرف كالذي يتخبطه الشيطان من المس!

 

كان هادئاً هذه المرة، حتى وهو يسمع إلى آراء القلة المعارضة، بل إنه كان يتدخل لصالح هؤلاء عندما يقوم بعض النواب بالتشويش عليهم، على النحو الذي دفع أنصار نظرية المؤامرة، للقول بأن ما يحدث هو باتفاق لتصدير صورة للخارج، بأن الأمور تدار بشكل ديمقراطي، إلى درجة الاستماع إلى آراء المعارضين، وبعضها كان قوياً ومتماسكا وموجها لشخص السيسي، مثل مرافعة النائب الشاب أحمد طنطاوي!

 

مرضي المؤامرة

 

الأزمة التي مرت بها مصر في السنوات الأخيرة، جعلت لدينا مرضى بنظرية المؤامرة، يوشك أحدهم إلى الاعتقاد بأن لقاء والده مع والدته في "الليلة الموعودة" التي أنجباه فيها؛ كان نتاج مؤامرة تستهدف أن يأتي للدنيا ليعش الشقاء ويرى العذاب!

 

فالخارج ليس مشغولاً بالشكل، وهو لن يحاسب عبد الفتاح السيسي لأنه ديكتاتور يعصف بالرأي الآخر، لكي يدير "عبد العال" الجلسة في هدوء، والخارج في إطاره الدولي لن ينشغل باستبداد السيسي إلا إذا خرج الشعب عليه، وقد ولى الزمن الأمريكي الجميل، الذي كان فيه الرئيس مشغولاً بالديكور الديمقراطي في المحروسة، ففي البيت الأبيض رجل أرعن، يلعب على "المكشوف"، وليست الديمقراطية ولو في بعدها الشكلي مما يشغله بأي درجة!

 

وقبل هذا وبعده، فإن الغرب يعلم تماماً أن العبث بالدستور، هو لتمكين عبد الفتاح السيسي بالبقاء في السلطة، بالمخالفة لقواعد الديمقراطية التي وضعها الغرب ذاته!

 

لكن لا بأس، فكل ما يدور حولنا عند قومنا هو نتاج مؤامرة. ألم يكن إعلان الفريق سامي عنان تمثيلية، وإعلان أحمد شفيق الترشح أيضاً تمثيلية، وإعلان العقيد قنصوة المنافسة في الانتخابات الرئاسية مؤامرة كونية، وأن العداء بين السيسي وهشام جنينة جزء من مؤامرة استهدفت الضحك على الذقون.. ذقوننا طبعاً؟ وهي حالة توحي كما لو كان القوم يسيرون في درب الثورة، وأن هدف هذه الدراما هي قطع الطريق على مسارهم الثوري، وهم يهتفون في كل شارع في مصر: "الثورة قايمة والكفاح دوار"!

 

بعيداً عن نظرية المؤامرة الكونية التي تستهدف العصف بخطط قومنا الجبارة، فإن تمسك "علي عبد العال" بالهدوء، وإفساح المجال للمعارضين للتعديلات الدستورية للحديث في حدود الوقت المقرر، لا بد وأن يكون له باعث آخر. صحيح أن النواب المعارضين للتعديلات قلة (17 عضوا)، لكن في الأجواء الطبيعية فإن "عبد العال"، يرتبك، ويغضب، ويفقد صوابه، لا سيما إذا كان النقد موجهاً لشخص السيسي، كما جاء في اعتراض المعترضين. وقد شاهدنا ما جرى في الجلسة العاصفة الخاصة بالتفريط في التراب الوطني، والسماحة لا تحكم مصر، وقد شاهدنا كيف عملوا على التشهير باثنين من النواب، لمجرد أن اعترضوا على التعديلات الدستورية. وإذا كانت الإدارة الهادئة استهدف بها رسالة للغرب، فالغرب شاهد حملة الإبادة التي قام بها النظام ضد المخرج خالد يوسف، وهي بسبب التعديلات. وخالد ينتمي لسينما التغريب، بمعنى أنه معروف لدى النخبة الثقافية في الخارج الأوروبي!

 

فلماذا أدار "علي عبد العال" جلسة برلمانه بهدوء، وعن قصد لا عن طبع؟!

 

إن الإجابة على هذا السؤال تدفعنا لتذكر أن تعليمات عليا صدرت للتلفزيون المصري الرسمي بعدم التطرق للتعديلات الدستورية، ولم نشاهد في القنوات الأخرى الخاصة مناقشة لها، ولو على طريقة "الزفة"، بين المندفعين لتأييدها، وإن كان ولا بد فمعارض واحد في مواجهة ما تيسر من الضيوف المؤيدين، يتكالبون عليه فيلقى حتفه في الحال.

 

لص يسرق

 

في تقديري أن السيسي يستهدف تمرير التعديلات في هدوء، على أن تنصب "الزفة" بعد تحديد موعد الاستفتاء عليها، وهو لن يكون قبل شهرين من الآن، وقد يجرى الاستفتاء في الأسبوع الأول من شهر أيار مايو، أو بعد شهر رمضان، في شهر حزيران/ يونيو، مخافة أن يكون الضجيج سبباً في إيقاظ المصريين، أو تنبيه النائم في البيت الأبيض، فيطلب تأجيل الأمر كما طلبه قبل عامين، وأعلن على إثر هذا "علي عبد العال" نفسه كذب ما تردد عن وجود نية للتعديلات الدستورية، وما يؤكد صدق كلامه أن الدستور نفسه يمنع تعديل المواد الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية (هكذا قال)!

 

إنه سلوك لص يسرق، وليس أداء حاكم مسيطر على الحكم، كما يصوره المرجفون في المدينة، ثم إن تصريحات لـ"ياسر رزق" أكدت أن الدعاية المضادة لا تزال قادرة على إرباك معسكر الحكم!

 

وعندما يتكلم ياسر رزق، فالسيسي هو من يتكلم، وقد قال "رزق" أنه يقترح أن يكون التعديل الخاص بمدة الدورة الرئاسية ست سنوات خاصة بالسيسي. وهو ما يفقد النص لياقته كقاعدة قانونية، من حيث كونها تتصف بالتجرد والعمومية، ولا تستهدف شخصاً بذاته، أو حالة بذاتها!

 

 

الدعاية المضادة، تدور حول أنه قد يعدل عبد الفتاح السيسي الدستور لمن سيأتي بعده، ولن يستفيد هو منه، تماماً كما فعلها السادات، الذي عدل الدستور لتكون فترة الرئاسة مفتوحة بدلاً من دورتين، فلم يكمل دورته الثانية، واستفاد من هذا النص مبارك، الذي لم يكن له في العير ولا في النفير!

 

 

 

الخائبة والغائبة

 

فماذا لو صدقت منامات السيسي الأربعة، وخرج السر الإلهي قبل إتمام دورته الثانية؟ بل ماذا لو أن ضغوطاً دولية وداخلية حتمت إجراء انتخابات نزيهة بعد انتهاء ولاية السيسي الثانية، ولم يكن الفائز فيها هو السيسي، بل لم يكن من المنتمين للمؤسسة العسكرية بشكل عام، أتكون قد "عملت الخائبة للغائبة"، كما يقول المثل الشعبي في وصف حالة من اهتمت بزوجها لتخطفه أخرى؟!

 

والسيسي القلق أبدا، يمثل دائماً لفكرة "الاحتياط"، فعندما تم النص على جواز اختياره نائباً للرئاسة أو نائبين، وهو ما أدهشني في البداية، فقلت لن يفعلها، لكني عندما قرأت التعديلات وجدت أنه احتاط لهذا الخطر، فسلطة النائب (ورئيس الوزراء في غيابه) هو شغل موقع الرئيس إذا اقتضت الظروف ذلك، بشكل مؤقت ولا يجوز له الترشح للانتخابات الرئاسية!

 

 

وفي تقديري أن السيسي نفسه لم ينتبه للغم آخر في هذه التعديلات الدستورية، هو الخاص بأن الجيش قيم على الدولة، ومعنى هذا أنه أعطى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، سلطة إزاحته عن الحكم، إذا خرجت مظاهرات ضده، أو تنفيذا لمطلب أمريكي يرى أنه استنفذ مبرر بقائه، ويخشى من وقوع خطر يتعذر تداركه، ساعتها لن يكون هذا التدخل من قبل الجيش انقلابا عسكرياً!

 

فماذا لو فطن السيسي الآن لهذا اللغم في التعديلات الدستورية؟ أعتقد أنه لن ينام الليل، إن كان ينامه فعلاً!

 

فمن يدري فقد يكون تدميره في تدبيره.

أضف تعليقك