• الصلاة القادمة

    الفجر 04:23

 
news Image
منذ ثانية واحدة

من تراث المستشار محمد المأمون الهضيبي

مقدمة

التخطيط الدقيق للهجرة

الشعارات الجوفاء

أحداث الهجرة وذكرياتها منارات عظيمة على الطريق، منارات للأمم والشعوب والحكام والأمراء والقادة الذين يريدون السيادة والعزة والنصر، فهي دروس عظيمة، وآمال واسعة عميقة لأصحاب الدعوات وحملة الرسالات، فما أحوجنا إليها، فهى تعلمنا كيف يرتبط تاريخ الدعوات بالحركة، حركة الفرد المؤمن ، والأمة المؤمنة ، والدولة المؤمنة ، فالهجرة تمثل خطوات المؤمنين المباركة من مكة إلى المدينة، لإقامة دولة الإسلام الأولى، كما تمثل بحث الحائرين والمعذبين والمضطهدين عن النجاة وعن مثل أعلى، وعن هدف جليل عظيم يطمحون للوصول إليه، هذا الهدف هو الذي صنع تاريخ الأمة، وأقام الدولة الإسلامية والحضارة الإسلامية التي استظل العالم بظلالها ما يزيد عن ألف عام.

ولقد استمر بناء الأساس زمنًا طويلاً، عمّقه الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه من خلال الوحي من أجل أن يستقيم البناء، فأوجد من خلال التربية القرآنية الفرد المسلم ... والجماعة المسلمة صاحبة العقيدة السليمة... والعبادة الصحيحة... والفهم الدقيق الشامل للإسلام... واستغرق البناء طوال الفترة المكية ثلاثة عشر عامًا، ثم ما لبثت عداوة قريش من مقاطعة وتعذيب وقتل للمؤمنين أن وقفت بالمرصاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم لمنعه بكل الوسائل من تربية الأفراد ونشر الدعوة في مكة، وأصبح المسلمون كأفراد، بلا دولة تجمعهم وتحميهم وتوحدهم، لن يستطيعوا أن يؤدوا دورهم أو يثبتوا وجودهم، أو يرفعوا راية هذا الحق، أو يقفوا أمام الباطل المتكتل المعتدي المدجج بالسلاح.

إن تفكير النبي صلى الله عليه وسلم في إيجاد أرض غير مكة بدأ منذ خروجه إلى الطائف؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أدرك فيها أن مكة لا تصلح لقيام الدولة، وأن كعبتها التي أقيمت للتوحيد الخالص لله وحده، حوّلها المشركون إلى ساحة تعجّ بالأصنام والأوثان، لا يمكن أن تكون وطنًا لهذه الرسالة.

ولذلك بدأ صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل، ويقول لهم في صراحة ووضوح "من يحملني، من يؤويني حتى أبلغ دعوة ربي، فإن قريش قد منعوني" السيرة لابن هشام.

وهذا موقف نتعلم منه الإيجابية الواقعية، ونتعلم منه مدى حرصه صلى الله عليه وسلم على طاقة أصحابه ألا تتبدد في غير موضعها، فسرعان ما نجده تحرك صوب الخروج من مكة، وقبل ذلك حرك بعض أصحابه إلى الحبشة ليكونوا رصيدًا لهذه الرسالة، ولحمايتهم من بطش قريش وكيدها.

التخطيط الدقيق للهجرة

إن هذا التخطيط الدقيق السليم، واتخاذ الأسباب، هما الضمان للنجاح في كل عمل، لقد كان صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة من البعثة، يتنقل في موسم الحج يدعو إلى الله، وفي آخر الموسم وجد ستة نفر من الخزرج أراد الله بهم خيرًا، يستعدون للرحيل، فدعاهم إلى الله، فاستجابوا وأسلموا، وكانوا اللبنة الأولى لدولة الإسلام، والنواة التي قام عليها البناء، وفي السنة التالية عادوا وقد تضاعف عددهم، واتسعت الدائرة، وتم لقاؤهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة، وكانت البيعة على الأخوة الكاملة في الله، ونبذ الشرك، والتطهر من كل المعاصي.

وأرسل معهم الرسول صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير رضي الله عنه "فاتح المدينة"، وكلفه بأن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، وعلى يديه انتشر الإسلام في المدينة، ووجدت القاعدة الجديدة للإسلام، وبذلك مهّد الطريق للهجرة إلى المدينة، ثم عاد إلى مكة في موسم الحج ومعه ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، أول هيئة تأسيسية لأمة الإسلام على ظهر الأرض، والتقوا بالرسول صلى الله عليه وسلم عند العقبة وكانت البيعة الكبرى على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقوموا في الله، لا تخافوا لومة لائم، وعلى النصرة إذا قدمت إليكم، "وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة" أحمد والحاكم والبيهقي.

في ليلة العقبة الكبرى تمت بيعة بين قائد وجنوده على دحر الباطل وجنده، وقطع دابر الأوثان والأزلام والأصنام حتى قال أحدهم "أتدرون على ما تبايعون هذا الرجل، تبايعونه على قتال الأحمر والأسود" وكل من يقف في طريق الدعوة، ويقول البراء بن معرور: "يا رسول الله، نحن والله، أبناء الحروب ورثناها كابرًا عن كابر"، إنه قسم بالله الذي آمنوا به أنهم سيحمون الرسول صلى الله عليه وسلم وينصرونه، وأنهم سيقولون لا لأية قوة في الأرض سوداء كانت أم حمراء تسعى إلى الفتنة، أو الكيد للدعوة أو حَمَلتها ورجالها، إنها القوة والصراحة والصدق.. لقد وضح معنى الهجرة عند الصحابة، وفهموا معنى البيعة، ومعنى الالتزام بها، وذلك ما يحتاج المسلمون إليه اليوم حتى يقفوا على أقدامهم.

وبالهجرة تمّ الوجود الحقيقي للمسلمين، بعد أن عاشوا في مكة محاصرين مضطهدين، ورغم الأهوال والإيذاء والبطش رفضوا أن يغيّروا أو يبدلوا، بل ثبتوا على الحق الذي آمنوا به، وبالهجرة قامت دولة الإسلام التي آمنت بضرورة التنظيم والتخطيط، والحق أن حياتنا المعاصرة وظروفنا الدقيقة والصراعات الدائرة مع قوى الباطل، تحتاج منا دائمًا إلى تأكيد جوانب العقيدة والإيمان العظيم بالله، وهذا الإيمان هو الذي يدعونا إلى العمل الصالح الناجح المنظم، ويدعونا إلى ضرورة الأخذ بالأسباب في جميع جوانب الحياة، فهى التي توصلنا إلى ما نريد من صلاح وفلاح ونجاح، ومع الأخذ الكامل بالأسباب يكون التوكل على ربّ الأسباب جلّ وعلا أثناء العمل وبعد العمل وفي النتائج، بعد بذل الجهد، وكل ما في طاقة الإنسان من تفكير وتدبير.

إن شأن المؤمنين مع أخذ الأسباب أنهم يقومون بها، كأنها كل شيء للوصول للنجاح، لكنهم مع يقينهم أن كل شيء لا تمام له ولا قيام إلا بأمر الله، إن أعداء الله قديمًا وحديثًا، قال عنهم القرآن الكريم: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾(الأنفال: من الآية30) وهى صورة عميقة التأثير، وذلك حينما ينكشف أمام المؤمن أعداء الله من يهود وأمريكان وغيرهم، وهم يتآمرون ويدبرون، ويمكرون، والله من ورائهم محيط، يمكر بهم ويبطل كيدهم، وهم لا يشعرون أين قدرة الله القادر؟ قدرة الجبار القاهر؟ من هؤلاء المهازيل الضعاف؟

وتأتي ذكريات الهجرة النبوية الغالية التي أشرنا إلى بعضها والأمة العربية والإسلامية تمر بظروف خطيرة لا مثيل لها في التاريخ، فالحرب على الأبواب، والهجمة التتارية المغولية الهمجية الجديدة، تدق طبول الحرب، وعشرات الألوف من جنود الأعداء، يملأون الأرض والبحر والجو، وقد حضرت هذه الحشود، لا للسياحة، أو النزهة، بل للعدوان والقتل والتخريب، كما أن الصهيونية، تقتل وتدمر، وتهدم، ودماء الشهداء لا تجف والشعب الفلسطينى المؤمن، يتحمل بوسائله المحدودة صورايخ ودبابات وطائرات وعدوان اليهود، التي تعمل ليل نهار في كل بيت وكل شارع.

إن هذا الوجود الأجنبي في بلاد العروبة و الإسلام، والسماح به وتركه لغزو المنطقة، فهو وجود استعماري يجب مقاومته بكل الوسائل المستطاعة، وذلك فرض على الأمة كلها وقواتها وحكامها، وإلا فالأمة كلها آثمة إذا قصرت وسكتت على ذلك، وتركت الحبل على الغارب.

الشعارات الجوفاء

وفي ظل هذه الأحداث اجتمع مؤتمر القمة العربي وكان المأمول أن تكون القرارات على مستوى الأحداث.. فنرى الآليات والوسائل التي تتخذ للتفعيل والتنفيذ، وأن يكون من بين قراراته إنشاء نظام أمن عربي والعمل على توحيد الصف العربي، بل والاهتمام بإحياء اتفاقية الدفاع المشترك القوي، والعمل على سيادة العقيدة والشريعة، وقيام دفاع مشترك لصد الأخطار ولرد العدوان، وأن يكون من بين القرارات إنشاء نظام اقتصادي، وأن تدعى الشعوب للمشاركة، وأن يمنع الفساد، وأن يضرب على أيدي المفسدين، وأن تغلق المواخير والحانات، وأماكن الفسق والرذيلة، وأن نحرّم ما حرّم الله، وأن نحلّ ما أحلّ الله، فهذا طريق النصر.

لكن الذي حدث هو إطلاق لشعارات، كما يحدث في كل لقاء، والشعارات انكشف أمرها، وبان سرها، فلم يعد مجرد إطلاق شعارات مثل رفض الحرب على العراق، أو مساندة قضايا الشعوب، أو الانحياز لقضايا الحريات، أو مجرد الحماس لحقوق الإنسان، لم يعد كل هذا بكاف للاستمرار على تأييد أو كسب عواطف المغلوبين، أو المهضومين حقوقًا، المسلوبين حرية وديارًا، المطحونين استرقاقًا، إلا أن الخطر والتهديد الأمريكي لا يقتصر على العراق فحسب، ولا أفغانستان وحدها، بل إن الخطر على الجميع.

والعرب والمسلمون إن لم يقولوا اليوم لا للعدوان الأمريكي والصهيوني ويقفوا أمام طغيانه، سنصلى هذه الحروب بعد العراق، وستقع المنطقة كلها في قبضتهم ليعيثوا فسادًا، وتخريبًا، وتغييرًا وتبديلاً، قال تعالى ﴿... وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾(البقرة: من الآية217).

هذا وإن إصرار الرئيس الأمريكي ومن حوله على المضي في مخططاته لغزو العراق وقتل المسلمين، ثم محاولاته إعادة رسم خريطة المنطقة على هواه سيدفع الأمور نحو مشاكل ومآزق لكل من يفكر في هذا وهم الخاسرون في المقام الأول، وسيجد هؤلاء أنفسهم أمام أوضاع خطيرة لا طاقة لهم بها، وواضح أن الاندفاع بحقد شديد نحو العدوان يؤكد أن هؤلاء لم يستفيدوا شيئًا مما حدث لهم في أفغانستان، ومن جانب آخر، لقد بلغ الغضب بالشعوب العربية والإسلامية ضد أمريكا منتهاه، وهو معرض للانفجار في أي لحظة، وخاصة بسبب موقف هذه الإدارة الأمريكية السافر المؤيد لعصابات اليهود، ومساندتها على طول الخط، وما يشكله من عدوان، بل واستهتار بكل ما هو عربي ومسلم، يدفع الأمة دفعًا للنظر لأمريكا على أنها العدو الخطير، والمعين الأول للقاتل المتسلط الذي استباح دماء المسلمين وأعراضهم وديارهم، ولا شك أن أمريكا تلعب بالنار، وستندم حين تستقر في الهاوية ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾(الشعراء: من الآية227).

وللخروج من هذا الوضع الشائك يجب على الحكام، أن يشركوا الشعوب في المسئولية وأن يحترموا حرياتها، وأن يرفعوا عنها الضغوط، وأن يبصروها بحقائق الموقف، وأن الخير كله في هذه الأمة، وإنها دائمًا تلبي النداء وتسارع إلى النجدة، وتحرص على الجهاد في سبيل الله، وعلى التضحية بكل ما تملك، وهي على استعداد لمقاطعة منتجات أمريكا وغيرها، ومنازلة الصهيونية وإخراجها من أرض الإسلام، ورد كيدها في نحرها، ومحاصرتها من جميع جوانبها.

وها هي المظاهرة التاريخية بإستاد القاهرة يوم الخميس الماضي، والتي كانت تتويجًا لتعبير الشعوب المسلمة في العالم الإسلامي عن غضبتها واستعدادها للتضحية، فقد تدفق عشرات الألوف تعلن عداءها الصريح لأمريكا وبني صهيون، واستنكارها للمحاولات الاستفزازية للعدوان على العراق، وكل من شاهد ذلك يجمع بأن هذا الحدث، لم تر مصر له مثيلاً منذ سنة 1952، وهذا التجمع يمثل مصر بجميع طوائفها وفئاتها، وهو تعبير صريح للرفض التام، لسياسات الاستعمار والتدخل في شئون الغير، اشترك في هذا المهرجان جميع فئات الشعب، الرجل والمرأة والابن والبنت، فهو بحق يوم تاريخي مشهود، سيظل علامة على وعي الأمة بقضاياها، وأنها تعيش آلام المعذبين في فلسطين وفي العراق وفي كل مكان على ظهر الأرض فيه مسلم يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلى الحكام أن يثقوا في الشعوب وأن يقودوهم في الطريق الصحيح، وأن ينصروا قضايا الأمة نصرًا حقيقيًا، وأن يكونوا أمناء في قيادتهم لأمة العروبة والإسلام.

إن أحداث الهجرة جديرة بأن تفتح اليوم أعيننا على ماضينا المجيد وأن تعرفنا بحقيقة الواقع المر الأليم، الذي وصلنا إليه، ويجب أن تهتز قلوبنا وتتحرك عزائمنا، إنه من أوجب الواجبات علينا أن نعرف موقعنا في التاريخ، وكيف جمع القرآن كلمة أسلافنا، وكيف ربط على قلوبهم؟ ووجههم إلى سبيل العزة والسيادة، وقضى في حزم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وفي ظل القرآن وتحت رايته عمّر المسلمون الدنيا وساسوها بالعدل، وسنّوا المساواة.

فما لأحد شرف إلا بالتقوى والعمل الصالح ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾(الحجرات: من الآية13).

يجب أن تتطلع أمة الإسلام إلى عودة جديدة مبصرة لدينها، فهو سر قوتها، ومصدر عزها، وليس وراء ذلك إلا أن تولّي وجهها بحزم وعزم، إلى منهج الله وحده الذي أمرنا بهذا فقال:

﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾(لأعراف:3).

إن الفترات المقفرة من النصر التي تمر بتاريخ هذه الأمة، لا يمكن أن تطمس حقيقة الإسلام الكبرى، تلك الحقيقة التي تقول: إن هذه الأمة هي الأمة الوسط، هي خير أمة أخرجت للناس، هي الجديرة بحمل الأمانة، هي الأمينة على ركب البشرية وهي التي تقدم أغلى ما تملك إلى ساحات الجهاد والبذل والعطاء، مادامت تتزود من عطر الإيمان بربها، والنور الذي أفاضه عليها في الهجرة.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾(النحل:41-42).

المستشار/ محمد المأمون الهضيبي

المرشد العام للإخوان المسلمين

القاهرة: 3 محرم 1424هـ

الموافق 6 / 3 / 2003م

أضف تعليقك