• الصلاة القادمة

    العصر 13:46

 
news Image
منذ ثانيتين

بقلم..سيف عبدالفتاح

ظلت المساحات الدستورية من أبرز الساحات التي يخوض فيها العسكر أهم معاركهم في الهيمنة والسيطرة، يدفعهم إلى ذلك استغلال الصورة الذهنية التي حاول البعض من قيادتهم أن يكرسها عبر الزمن. فهم حراس الوطن، يملكون القوة وهم عنوان الوطنية والوطن، فمن يستطيع أن يتوجه إليهم بالكلام أو يعقب عليهم.

وتأسيسا على ذلك، فمن المهم أن نشير إلى لحظة استثنائية، وهي اللحظة الدستورية والتي تبنى فيها دساتير جديدة لاعتبارات شتى، وأخطر هذه الفترات هي فترات الثورة التي تعطل النصوص المرجعية القديمة وتستبدلها بنصوص جديدة. هذه اللحظة الدستورية هي لحظة استثنائية، وهي بهذا الاعتبار لحظة لبناء الموقف والمكانة في أمور تراها بعض المؤسسات مصيرية لا تقبل السكوت ولا المواربة.

ذلك أن الدول لا تكتب دساتير كل يوم، ولكن تشكل اللحظة الدستورية خاصة عند اقترانها بلحظة ثورية حالة استثنائية، تعبر عن حالة فوران وفي ذات الوقت تعبر عن جملة مصالح لا بد وأن يعبر عنها بشكل مباشر. وفي ظل حالة السيولة في لحظة الثورة، فإن لحظة الدستور هي لحظة تثبيت المواقف والمكانة، ومن ثم يدار حول هذه اللحظة صراعاً ظاهراً وكامناً، مباشراً وغير مباشر، كاشفاً عن المكنون ومثبتاً للرؤية والاستراتيجية.. وهي لحظة تمارس فيها الضغوط، خاصة في هذه اللحظة التي تشكل حالة رخوة تثبت فيها الأمور، ويعبر فيها عن المصالح، وتشكل حالة لقابلية في الاختراق وإثبات المواقف.

من الأهمية بما كان أن نؤكد أن العسكر ومنذ فترة طويلة من الزمن أرادوا أن يشكلوا دورا يؤكد على أنهم دولة في الدولة، وإن شئت الدقة دولة فوق الدولة. تضخمت هذه المسألة لدى قادة العسكر خاصة بعد أن بدأت هذه المؤسسة تتدخل في الشأن السياسي وتهيمن على الوضع الاقتصادي، في ظل استراتيجية متكاملة لعسكرة الدولة والمجتمع.

فقد ظل هؤلاء يقومون ليس فقط بصناعة صورة ذهنية حول المؤسسة العسكرية، بل وكذلك التأكيد على ذلك الدور الذي يجعل منها المؤسسة الحاكمة والمتحكمة. واتخذ هؤلاء عدة مسالك في ما يتعلق بهذا الشأن، فجعلوا من ذلك استراتيجية كبرى لها رؤية وآليات ووسائل وأدوات. كان من أهم تلك الأدوات؛ الأداة الدستورية. ولعلنا في هذا المقام نؤكد على تلك التصريحات الأخيرة للمنقلب حينما أراد أن يذكر أن الجيش ببساطة هو الدولة، معتبرا نفسه بأنه يمثل الجيش على رأس السلطة، ومن ثم أكد على أن المؤسسة العسكرية هي التي تحمي الدولة ومدنيتها والدستور والديمقراطية والحقوق والحريات الإنسانية؛ وربما يستند في هذا إلى ما أدخله من تعديلات دستورية والتي أسميتها في حينها "التعديات الدستورية".

إن محاولة السيسي دسترة مثل هذه الأمور اتخذ أشكالا زائفة ومزورة من الدستورية، وحقيقة الأمر أن ما تم ليس إلا انتهاكا واسعا لمبادئ الدستور يشرعن الانقلابات العسكرية.

ونستطيع أن نقول ومن غير مواربة إن هذه الأمور تتعلق بمدنية الدولة والدستور والديمقراطية والحقوق، إذ يمنح تعديل المادة 200 من الدستور القوات المسلحة لأول مرة مهام "صون الدستور والديمقراطية والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد"، ومن خلال ممارسات العسكر الفجة في الآونة الأخيرة خاصة بعد انقلابهم وقيادة القوى المضادة للثورة.

لم يكن ذلك إلا لجعل الانقلابات العسكرية قاعدة دستورية، وإلا فليأت هؤلاء ممن تخصصوا في كتابة الدساتير أو في القانون الدستوري ليفسروا لنا دسترة هذا النص في التعديات الدستورية الأخيرة، بحيث تفتح الباب واسعا لأن تكون تلك المؤسسة ممثلة في قياداتها والعصبة التي اختطفت هذه المؤسسة ذاتها ضمن عملية اختطاف كبرى لمؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع؛ "دولة فوق الدولة".

ذلك أن من المبادئ المرعية في الدول المستقرة أن تظل المؤسسة العسكرية بعيدة عن القطاعات السياسية والمدنية، وتتسم بالمهنية والحياد، ولا تستدعى إلا في إطار يتعلق بخوض حروب لحماية الحدود والوجود أو لصد عدوان، وربما كذلك تستدعى في حالات استثنائية عند وقوع كوارث طبيعية بمقتضى ما تمتلكه من معدات لا يمتلكها غيرها، ويمكن أن تقوم بعمليات إنقاذ وإغاثة، إلا أن عملية الدسترة تلك تجاوزت الحدود وفاقت كل حدود.

فهل يعقل أن العسكري الذي يشكل ميدانه ميدان الحروب، ومعسكراته وثكناته تشكل مكانا متمايزا عن الحياة المدنية، ويُحكم في إطار قواعد عسكرية استثنائية إدارة هذه المؤسسة في إطار من السمع والطاعة والأمر والإجابة والاستدعاء والتنفيذ.. هل يعقل أن يتولى هؤلاء حماية دولة مدنية بمؤسساتها، وحماية العملية الديمقراطية باتساعها وتنوع ممارساتها، وحماية الدستور الذي يشكل محددا لشكل العلاقة السياسية والمجتمعية بين القوى المختلفة والسلطات المتنوعة والمؤسسات الخادمة التابعة التي تشكل أدوات للحفاظ على الأمن والحدود؟

أيضا من الأهمية أن نؤكد كيف تتدخل هذه المؤسسة لحماية الحقوق والحريات، وهي لا تملك إلا السلاح تلوح به وتستخدمه. وفي حقيقة الأمر، فإن ما حدث بعد انقلاب الثالث من تموز/ يوليو ليؤكد أن قادة العسكر قد اغتصبوا مدنية الدولة واختطفوا المؤسسات الأخرى المدنية وغير المدنية، واستطاعوا أن يعسكروا الدولة والمجتمع على حد سواء على نحو غير مسبوق.

كما أنهم قاموا بعد ذلك بعمليات تلاعب دستوري شديدة الوطأة على المجتمع، ضمن إعلانات دستورية أو بمطالبتهم بوثائق فوق دستورية. ولم تكن المبادئ فوق الدستورية تلك إلا تحصينا وتمكينا للعسكر وتبريرا وشرعنة لتدخلهم في المجال السياسي والاقتصادي والحياة المدنية. وقد مارسوا بعد انقلابهم تعطيلا للدستور، وأتوا برئيس المحكمة الدستورية ليترأس البلاد لينفذ أوامرهم ويكون طوع بنانهم ويكون عنوانا لعملية تعطيل الدستور.

وأبعد من هذا، فقد وضع دستوره الخاص لمزيد من التحصين والتمكين. ولم يكتف بذلك، بل واصل عبثه الدستوري حينما أدخل تعدياته الدستورية تلك منتهكا أصل الدستور والدستورية، ويسبغ عليها بالنقض والنسخ والبطلان. فهل كل ذلك حماية للدستور أم انتهاك وهدم له؟

أما عن الحريات والحقوق فحدث ولا حرج، فبعد الانقلاب وتمكن نظام الثالث من حزيران/ يونيو، قام بتكميم الأفواه وجرّم أي تظاهر أو احتجاج، وأطلق يد أجهزته الأمنية في القتل والاعتقال والمطاردة والتلويح بمجازر عدة، لصناعة الترويع والتفزيع وممارسة السيطرة على كل مفاصل معاش الناس، بالاعتبار الذي يؤكد عسكرة ممنهجة للدولة والمجتمع.

وهذا جعل أحد السياسيين والحقوقيين يشير إلى وضع وحالة أمر واقع بائس "قد تُغرق طبقة الضباط وحلفاؤها مصرَ في حمام دماء في حال تعرّض احتكارها للسياسة والاقتصاد للتهديد.. تعديل المادة 200 هو دسترة للأمر الواقع الجديد".

إن الأمر ربما لا يتعلق بالتحصين والتمكين فحسب، ولكنه ربما يفوق ذلك، ويتحرك صوب عملية عسكرة شاملة وكاملة تفتح الباب واسعا لدولة فوق الدولة من العسكر. فهل ذلك حقيقة يعد حماية لمدنية الدولة، أم عسكرتها وبما يجرنا ذلك إلى أحوال شاذة من الناحية السياسية، والقضاء قضاء مبرما على الحالة المدنية التي لن يتبقى منها سوى جثمان فاقد الحياة ونشاطها السياسي والمجتمعي والمدني؟

أضف تعليقك