• الصلاة القادمة

    الفجر 04:23

 
news Image
Feb 06 21 at 10:24 PM

في الأعوام الماضية انتشرت ظاهرة مخيفة في العالم العربي، وهي ظاهرة “التمثيل بالجثث” بعد ارتكاب جريمة القتل بحقها.

شاهدنا داعش وإجرامه في الذبح ثم تقطيع الجثث وتصوير هذه الجريمة على الهواء مباشرة، شاهدنا أيضا شبيحة بشار الأسد في سوريا وهم يمثلون بجثث السوريين بعد ارتكاب المجازر بحقهم، وشاهدنا ذلك أيضا في سيناء حين قام ضباط وجنود من الجيش المصري بالتمثيل بجثث بعض الأشخاص بعد قتلهم بلحظات قليلة.

“التمثيل” بالجثث يعد جريمة كبرى وأمر مدان في كل المواثيق والأعراف الدولية منذ عقود. للميت حرمة، والأمر هنا لا أتحدث عنه بشكل ديني أو شرعي وإنما بشكل إنساني بحت. ما الذي يريده القاتل من جسد ميت؟ ما الذي يشعر به القاتل وهو “يمثل” بجسد الضحية بعد أن فارق الحياة ولم يعد يشعر لا بألم أو بخوف من الموت؟

في الأسبوع الماضي، ظهر على الساحة نوع جديد من “التمثيل” بالجثث، وهو ما يفترض أن نطلق عليه الفن بما يشمله من دراما وتوثيق للأحداث وسرد للتاريخ، والوقوف عند أحداث هامة وإيصالها للمشاهد بشكل يلمس العاطفة ويخلد الذكرى في أذهان وعقول وقلوب المشاهدين.

ظهر على الساحة نوع جديد من “التمثيل” بالجثث، وهو ما يفترض أن نطلق عليه الفن بما يشمله من دراما وتوثيق للأحداث وسرد للتاريخ، والوقوف عند أحداث هامة وإيصالها للمشاهد بشكل يلمس العاطفة ويخلد الذكرى في أذهان وعقول وقلوب المشاهدين

ظهر علينا الفنان أحمد مكي بصور مسربة من موقع تصوير مسلسل “الاختيار 2” وهو ما يتحدث وفقا للصحف المصرية عما أسموه تضحيات الجيش والشرطة المصرية في الفترة ما بعد انقلاب يوليو 2013.

الأنباء المسربة تتحدث بوضوح عن أن المسلسل الذي جاء بطلب من السيسي الذي قال في فيديو في العام الماضي بعد مسلسل “الاختيار 1” إن مسلسلا واحدا لا يكفي وإنما لا بد من تصوير أكثر من مسلسل لتوثيق تلك الفترة الهامة، سيتحدث عن فض رابعة العدوية، عن المجزرة الأبشع في التاريخ المصري القديم والحديث. حاولت تخيل السيناريو المكتوب لتوثيق مجزرة رابعة من وجهة نظر السيسي فشعرت بالاختناق.

لماذا يريد النظام “التمثيل” بجثث رابعة العدوية؟

نحن هنا لا نتحدث عن مسلسل والسلام، لا يمكن أن يمر الأمر بهذه البساطة وأن نقبل أن الأمر مجرد فن ووجهة نظر.. في الحقيقة رابعة ليست وجهة نظر ولا يمكن أبدا أن تكون، رابعة هي مقتلة ومذبحة ومجزرة ارتكبها الجيش المصري بقيادة السيسي بحق آلاف المعتصمين السلميين، ولو قال لك أحدهم إنه كان اعتصاما مسلحا فأخبره بأن بيان الداخلية المصرية عن يوم المجزرة تحدث عن عدد ثماني بنادق فقط تم حصرها داخل الميدان، فهل يعقل ذلك؟

من أراد توثيقا للمجزرة ومعرفة الحقيقة فسيجد عشرات التقارير الحقوقية أصدرتها مؤسسة هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية تتحدث عن مجزرة رابعة حسب الخطة، ويذكر أسماء الضباط المتورطين في الدماء، ويقص كيف حوّلت السلطات المصرية الضحايا إلى جناة وحوّلت مئات المعتصمين إلى محاكمات جنائية بتهم لا أعرف أولها من آخرها. هناك أيضا عشرات الأفلام الوثائقية التي وثقت المذبحة منذ لحظاتها الأولى، مثل “تحت المنصة”، و”كانوا جرحي” و”عمارة المنايفة” و”كنت هناك”.

السيسي لا يريد توثيقا لما حدث، فهو يعلم يقينا أن العالم أجمع يعرف الحقيقة التي أخبره عنها ذات مرة سكوت بيلي، مقدم برنامج ستون دقيقة على قناة “سي بي اس” الأمريكية، حين قاله له “يدك ملطخة بالدماء”، ولكنه هنا يريد أن يعيد المجتمع المصري للحظة الانقسام التي بنى عليها وجوده بالأساس، الجنرال يريد أن يعود الناس للحديث مرة أخرى عن رابعة وأجوائها وما حدث فيها، ويظهر أحمد موسى وأمثاله يتحدثون عن الكرة الأرضية تحت المنصة وعن الإخوان الذين كانوا يقتلون أنفسهم ثم يقومون بالتصوير، وأن يحدثونا عن العنف والإرهاب وإغلاق مداخل العمارات.

من أراد توثيقا للمجزرة ومعرفة الحقيقة فسيجد عشرات التقارير الحقوقية أصدرتها مؤسسة هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية تتحدث عن مجزرة رابعة حسب الخطة، ويذكر أسماء الضباط المتورطين في الدماء

السيسي يريد العودة إلى مرحلة “احنا شعب وانتو شعب”.. “لينا رب وليكو رب”، هكذا يمكنه أن يواجه بايدن بخطر الإرهاب من جديد، وهكذا يمكنه أن يطالب المصريين بتفويض جديد، ولكنه لا يعلم أنه بهذا يعيد تجسيد الجريمة من جديد ويضيف إلى قائمة المتهمين متهمين جددا هم أبطال هذا المسلسل المزعوم “الاختيار2”.

“الاختيار 1″ كان لتلميع صورة الجيش، و”الاختيار 2” سيأتي “للتمثيل” بجثث من ماتوا في رابعة، ليبقى لدى سؤال وأنا أحد الناجين من مذبحة رابعة، وهو عن الاختيار الأخير لهؤلاء يوم أن يقفوا وجها لوجه مع أسماء البلتاجي وعبد الرحمن الديب وكل من ماتوا في رابعة، الاختيار الأخير سيكون أمام من تجتمع عنده الخصوم ولا يظلم عنده أحد، عندها فقط سيفخر من كانوا في رابعة باختيارهم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب سنقلبون.

أضف تعليقك