• الصلاة القادمة

    الظهر 11:01

 
news Image
منذ ثانية واحدة

سلوك غريب شاهدته أكثر من مرة، خلال الأسابيع القليلة الماضية، خلال شهر رمضان وما قبله تحديداً، وهو الخوف، ليس فقط الخوف، بل الرعب، على مستوى الأفراد والجماعات، على مستوى الأُسر والأصدقاء، على مستوى كل الأوساط تقريباً، تكررت اللقاءات بحكم طبيعة الشهر الكريم وعادات التزاور والعزومات والذى منه، فكانت الملاحظة أكثر، بالتأكيد تجرى مناقشات، تتطرق فى أغلب الأحيان إلى الهموم اليومية، الهموم الشخصية، هموم الوطن، هموم الإقليم، هموم العالم، حتى الآن كل هذه أمور طبيعية، وإلا لما أصبحنا طبيعيين.

 

الغريب هنا هو أن المناقشات ما إن تتطرق إلى مشاكل الوطن، بسلبياتها وإيجابياتها، حتى يهم صاحب المنزل، أو المسؤول عن المكان، وأحياناً أكثر من شخص فى توقيت واحد، بجمع الهواتف التى يحملها الحضور، كل الموبايلات بلا استثناء، رغم أنها مغلقة، السؤال هو: إيه يا جماعة فيه إيه؟، الإجابة فوراً: لم يعد هناك أمان، يا جماعة نحن نتحدث فى الشأن العام، هذه أمور طبيعية، لا نتآمر، لا نسُب، لا نلعن، لا نخطئ فى حق أحد، مافيش فايدة، الإجابة: الاعتقالات الآن عمّال على بطّال، الظلم أصبح بلا حدود، ثم تتوالى الحكايات، «ابن فلان جارنا اللى أخذوه علشان كان كاتب كلام تافه على الفيسبوك، وفلان قريبنا اللى خدوه من غير سبب، ومش عارف مين اللى اختفى من كام شهر وما فيش حد يعرف له مكان».

 

أولا: نسأل عن كيفية الخوف من التليفونات وهى مغلقة، الإجابات عليها أيضاً كثيرة، تسمع مَن يقول: فلان قال لى احنا بندخل على التليفون، حتى وهو على بعد عشرة أمتار من المتحدث، فلان قال إحنا عندنا برنامج بيدخل على كل الملفات اللى على التليفون، صور، ومحادثات، وماسينجر، وفيديوهات وخلافه، وأيضاً تتوالى الحكايات فى هذا الشأن، خاصة ما يتعلق منها بالكمبيوتر الذى أصبح يمثل أداة تهديد هو الآخر، أكثر منه وسيلة مساعدة.

 

بالتأكيد ما زاد وما فاقم من هذه الحالة هو تلك المحادثات الشخصية، التليفونية وغير التليفونية، بين الأفراد، والتى أُذيعت خلال الشهور الأخيرة، على الهواء مباشرة، من خلال بعض القنوات التليفزيونية الفضائية، دون اتخاذ أى إجراء قانونى مع الجهة التى قامت بالتسجيل، أو مع مَن قام بتسريبها لجهات أخرى، إعلامية أو غير إعلامية، أو مع مَن أذاع، أو مَن وافق على الإذاعة، ولا مع أى مسؤول عن هذه الأزمة الأخلاقية، بالتالى بدا الأمر وكأنه سلوك طبيعى فى المجتمع، أو ضمن الأنشطة الطبيعية للدولة أو الأجهزة الرسمية، خلال هذه المرحلة من تاريخنا، التى يرى فيها القائمون على الدولة أنها شبه دولة.

 

لابد أن نعترف بأننا أمام كارثة، وصل فيها الأمر إلى الخوف والرعب داخل المنزل، داخل العمل، فى الأماكن العامة، إلى درجة أصبح معها البعض يحتفظون بهواتفهم ليلاً خارج حجرة النوم، ذلك لأن هناك علاقات خاصة بين الرجل وزوجته لا يجب أن يتنصت عليها آخرون، وصلت الأمور إلى أن هناك من ذوى الألباب مَن عادوا إلى أجهزة تليفونات العصر الأول للمحمول، التى لا تتمتع بأى خاصية أكثر من الإرسال والاستقبال، حرموا أنفسهم حتى من الإنترنت، حجتهم فى ذلك أن هذا النوع الأرخص سعراً لا يستطيع أحد الدخول عليه، أو التقاطه بأى شكل من أشكال التكنولوجيا الحديثة.

 

يبدو أننا عُدنا، ونحن ندرى أو لا ندرى، 60 عاماً إلى الوراء، فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، وقت أن كان الأخ يخشى من أخيه، علّه يعمل لحساب هذا الجهاز أو ذاك، ربما ندرك الآن فقط لماذا يتكرر اسم الراحل جمال عبدالناصر كثيراً خلال السنوات الأخيرة، نرى فيك عبدالناصر، نريد إعلام عبدالناصر، ميسترال عبدالناصر، صور عبدالناصر فى المظاهرات، اسم عبدالناصر فى الاحتفالات، ذكرى الوفاة، ذكرى الميلاد، ذكرى التنصيب، حتى ذكرى النكسة، التى تحولت بقدرة قادر إلى نصر.

 

السؤال الآن: أهو الحنين إلى الماضى، أهو الحنين إلى الجهل، أهو الحنين إلى القمع، أهو الحنين إلى دولة العنف والتخلف والكراهية، فعلاً «من فات قديمه تاه»، يبدو أن البعض قد نسى أو تناسى أن مثل هذه الدولة هى التى تقود حتماً إلى النكسة أو إلى الهزيمة، هذه الدولة هى سبب ما نحن فيه من نكبات حتى الآن، لا صوت يعلو فوق صوت شخص واحد، يد تَعتقل ويد تُعذب وتجلد، المعتقلات هناك كانت الكلمة الأكثر تداولاً، أيضاً السجون الآن هى الكلمة الأكثر انتشاراً.

 

هذه القضية أيها السادة تحمل من الخطر ما لا يدركه الأغبياء أبداً، تقود حتماً إلى العمل السرى، إلى التنظيمات الليلية، إلى اللقاءات والتجمعات الخفية، كان يجب مواجهتها بكل السبل، كان يجب اتخاذ إجراءات حاسمة بشأنها، فقط تفعيل القوانين فى هذا الشأن، التسجيلات بإذن النيابة، ولأسباب تستحق، ما هو بخلاف ذلك يجب أن تُوقع عليه العقوبات، لن يستطيع احد مهما كان أن يمنع آخرين من الحديث، أساليب القهر والبطش يجب أن تختفى، هى لم تنجح أبدا فى حماية أى من النظم الديكتاتورية فى العالم، فقط أطالت من أعمار هذه الأنظمة إلى حد ما.

 

على أى حال، أحد المهتمين بالأمر قال: افتحوا جهاز الراديو أو التليفزيون، وضعوا بجواره الهواتف للتشويش والشوشرة، وتحدثوا كما تريدون، لن يستطيع أحد تسجيل أى شىء، إلا أن أحد المتخصصين دحض هذه الفكرة، قائلاً: حتى هذه لم تعد معضلة، أصبح من الممكن تنقية التسجيل من أصوات الشوشرة والإبقاء على الأخرى التى نريدها، عموماً ليس أمامنا إلا هذه النصيحة المتخصصة أيضاً: انزعوا شريحة التليفون، اجعلوه معطلاً، وتحدثوا كما تريدون، هكذا قال لى أيضاً فلان وعلّان، خلينا نشوف آخرتها معاهم.

أضف تعليقك